فهرس الكتاب

الصفحة 19234 من 23694

ورسالته في الاقتصاد تبيّن أنه يفترعُ موضوعًا جديدًا في الأدب العربي، يُعنى فيه بالجانب الاجتماعي وسياسة الاقتصاد، متأثّرًا بثقافة عصره، ولا سيّما الثقافة الفارسية، التي تربّى في حِجرها أدب السياسة والاجتماع، وكان للثقافة اليونانية تأثيرها أيضًا؛ إذ إنّ الرسالة حوارٌ جدليّ شائق، تصوّر تمكّنه من الجدل والمناظرة وعلم الكلام، وامتلاكه ناصية البيان. وقد أدارها سهلٌ على فكرة واحدة قِوامها الاقتصاد في المعاش وحسن التدبير، وذمّ السَّرَف والمترف والتبذير، وبثَّ في تضاعيفها معاني وأفكارًا جزئية، باسطًا أدلّته وحججه على سلامة أفكاره ودقّتها، ووضح معانيه وصحّتها، وسدادِ رأيه، وخطل آراء ذامّيه.

وقد بدأ سهلٌ رسالته بالدعاء لمنتقديه بصلاح أمرهم، وجمع شملهم، وتعليمهم الخير، وأن يكونوا من أهله، ولعلّ هذا الاستهلال في حدِّ ذاته يملك دلالة إيحائية مهمّة على مهارة سهل الفكرية؛ إذ يشكّل مقدمة منطقية تشي ببطلان مزاعمهم، وخطل آرائهم، وفساد عقولهم، كما تشي بمهارته في مخاطبة عقل المتلقّي، ومعرفته بكيفية استلاب مشاعر الآخرين. وقد أردفه بأقوال مأثورة، لها ذات الدلالة، فقال:"قال الأحنف بن قيس: يا معشر بني تميم لا تُسرعوا إلى الفتنة؛ فإنَّ أسرعَ الناس إلى القتال أقلُّهم حياءً من الفرار، وقد كانوا يقولون: إذا أردت أن ترى العيوبَ جَمَّةً، فتأمَّل عيّابًا؛ فإنّه إنّما يَعِيْبُ بفَضْلِ ما فيه من العيب. وأوّل العيب أن تعيب ما ليس بعيب.." (28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت