ثم راح سهلٌ يعرض ما عِيب عليه من آراء وأقوال في فِقَرٍ مقسّمة، ويُفنّدها بادئًا بعبارة:"وعِبتموني"أو"وعِبتم عليّ"أو نحو ذلك. والرسالة تشكّل وحدة متكاملة متناسبة في أفكارها ومعانيها، تتناول موضوعًا واحدًا، وتُعَدُّ مثالًا للمقالة بمفهومها الحديث، كما رأى محمد يوسف نجم (29) . وقد كان سهلٌ يؤكّد كلامه بأقوال الرسول ( والصحابة والتابعين ليقوّي حجّته ويفحم خصمه، يقول:"وعِبتموني بخَصْفِ النِّعال، وبتصدير القميص(30) ، وحين زعمتُ أنّ المخصوفة أبقى وأوطأ وأوقى وأنفى للكِبْر وأشبه بالنُّسُك، وأنّ الترقيع من الحزم، وأنّ الاجتماع مع الحفظ، وأنّ التفرّق مع التضييع. وقد كان النبيّ ( يَخْصِفُ نعله، ويَرْقع ثوبه، ويَلْطَعُ إصبعه، ويقول لو أُتيتُ بذراعٍ لأكلت، ولو دُعيت إلى كُراعٍ لأجبت"(31) . وقد حثَّ سهلٌ في هذه الرسالة على أداء الحقوق والواجبات؛ إذ رأى أنَّ الإنفاق في أهواء النفس وميولها يحجبها عن أداء الحقوق الواجبة عليها، وأنَّ الإنفاق في الحقوق حِجَازٌ دون الهوى، يقول:"وزعمتُ أنَّ كسب الحلال مُضَمَّنٌ بالإنفاق في الحلال، وأنَّ الخبيثَ ينزِع إلى الخبيث، وأنَّ الطّيّب يدعو إلى الطّيّب، وأنّ الإنفاق في الهوى حجابٌ دون الحقوق، وأنّ الإنفاق في الحقوق حِجَازٌ دون الهوى، فعِبتم عليّ هذا القول، وقد قال معاوية: لم أرَ تبذيرًا قطّ، إلاّ وإلى جانبه حَقّ مُضَيَّعٌ. وقد قال الحسن. إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب ماله، فانظروا في أيِّ شيءٍ يُنفقه؟ فإنَّ الخبيثَ يُنْفَقُ في السَّرَف" (32) .
وأيًَّا ما كان، فإنّ سهلًا في رسالته هذه"يُرينا تطوّر العقل في العصر العباسي ومدى ما أصابه من رُقيّ ومن نموٍّ ومن ثراء ومن قدرة على الحِجَاج وبسط الأدلّة، حتى ليتحوّل الكاتب بإزاء بعض الموضوعات إلى ما يشبه مناظرًا جَدِلًا، لا يزال يوردُ من الحجج والأدلّة المنطقية ما يحاول به أن يُفْحِمَ خصمه ويقهره" (33) .