فهرس الكتاب

الصفحة 19236 من 23694

ويمكن المرء أن يقف طويلًا مع رسالة سهل هذه ليدلّل على غزارة فكره وقدرته على تشقيق المعاني وتفريغها وبسط الأدلّة وتوليدها من ناحية، وعلى مضمون الرسالة من ناحية أخرى، إلاّ أنَّ الحديث في هذا وذاك يطول.

ويبدو أن سهلًا في هذه الرسالة لا يَحْفِلُ بالتصوير البياني؛ إذ تقلّ الصور البيانية فيها، من تشبيهات واستعارات وكنايات ونحو ذلك؛ إلا ما جاء عفو الخاطر، وعلى نحوٍ غير مقصود للزينة أو الزخرفة، إنّما للإيضاح وتجسيم الأفكار، ولعلّ قلّة عنايته بالصورة في هذه الرسالة تكمن في أنَّه في معرض حِجاج وجدل، يهدف إلى إثبات صحّة فكره، وصواب مذهبه، وسداد رأيه، وتفنيد مزاعم خصومه بالأدلّة والبراهين والحجج؛ فهو يخاطب العقلَ بالدرجة الأولى أكثر مما يخاطب الشعور، ولا يعني هذا أنّه لم يُعْنَ بأسلوبه، فقد أربى فيه على الغاية.

أما في رسائله الإخوانية والديوانية فإنّ التعبير بطريقة التصوير أداة فاعلة في أسلوبه، ففي رسالته الإخوانية التي بعث بها إلى صديق شُفي من مرضه، يتجلّى ذلك واضحًا، يقول:"بلغني خبر الفَتْرَة في إلمامها وانحسارها، والشَّكَاةِ في حلولها وارتحالها، فكاد يشغل القلق بأوّله عن السّكون لآخره، وتذهل الحيرة في ابتدائه عن المسرّة في انتهائه، وكان تغيّري في الحالين بقدرهما؛ ارتياعًا للأولى، وارتياحًا للأخرى" (34) . فقد عبّر عن المعاني النفسية الدقيقة تعبيرًا تصويريًّا فنيًّا؛ فجعل الفترة تلمُّ وتنحسر، والشكاة تحلّ وترتحل، وصوّر عاطفته تجاه صديقه أبلغ تصوير، في لفظ وجيز، ومعنى بديع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت