فهرس الكتاب

الصفحة 19237 من 23694

أمّا رسائله الديوانية فتزخر بالصور والوصف النابض بالحركة والحياة، كما تزخر بالفِكَرِ الدقيقة والمعاني المبتكرة، التي يتصيّدها من أغوار الفكر، يقول في رسالة بعث بها الذئب (الوالي المتمرّد) إلى النمر (الملك) :".... فأمّا ما ذَكَرَه الملكُ من رَبْكِ (35) عيشٍ تناسيتُه، وثوبِ ضُرٍّ لبستُه، وظُفْرٍ من دهرٍ خَدَشني، ونابٍ منه جَرَحَني، حتى استنقذني الملكُ من غَمْرَةِ العطب وانتاشني (36) من هُوَّةِ الهَلَكَةِ، على أنَّ يدَ الملك، عندي، بيضاءُ مشكورة، ليست بمرفوعة ولا مكفورة، طلعُها في قلبي نضيد، وظلّها عليَّ ممدود، خصبة خضِرَة، أَغْذُوها بماء الشّكر، وأُنَمِّيها بجميل الذكر، لا يحصدها تقادم الأيام، ولا يُقْدَحُ فيها بِزَنْدِ الملام، وأرتضع دِرَّتها فَُواقًا عن فَُواق (37) ، فأغترف منها بسَجْلٍ ذي عِراق (38) ، فأين ذهب الملكُ في ظنّه؟ وأنا ابنُ نعمته، والشاربُ في بُلهْنِيته (39) ، ذراني جناحُه، وكنفني رَجَاحُه (40) ، يَعْقِلني وَزَرُه، ويُنْجيني عَصَرُه" (41) . وواضح أنّ سهلًا في هذه الرسالة يبلغ الذروة من البيان الرفيع، فقد عبّر عن المعاني تعبيرًا بديعًا، وجسّدها باستخدام الحِلى البيانية، والصور الفنية، ونقل القارئ إلى عالمٍ مفعم بالحركة والحياة؛ من خلال الاتساع في مرمى الخيال، وإثارة المشاعر الوجدانية والعواطف النفسية، والوضوح الحسيّ، والتجسيد للمعاني العقلية المجرّدة.

ويقترن في هذه الرسائل جمالُ التصوير بجمال التفكير، وطرافة المعاني بطرافة الصور؛ فتتحقّق الإثارة والمتعة الجمالية، وينتشي العقل والشعور معًا. وتمثّل هذه الرسائل حوارًا سياسيًّا حادًّا، يذكّرنا بالرسائل السياسية في ذلك العصر، يتقمص فيها سهلٌ دور القائد العسكريّ ببراعة فائقة تبدو في نبراته الحادّة، وخطابه القوي، والقصد إلى التهويل والمبالغة من خلال استخدام الصور البيانية وإعمال الخيال إلى مدى غير يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت