وعلى أيّة حال، فإنَّ سهلًا -كما وصفه محمد كرد علي -"أحدُ أفرادٍ قلائل، زانوا بما صاغوا من الكلام أدب العرب واختطّوا لمن بعدهم خطط التفكير والتصوير على النمط الفارسي العربي، وكلامُه في بابه لبابُ البلاغة، ومثال الفصاحة، لا تبلى جِدَّتُه على وجه الأيام، ولا يحتاج في الحكم عليه إلى محكمةِ نقضٍ وإبرام" (42) .
ثالثًا -أسلوبه الفنّيّ في الترسّل
دَرَجَ الكتّابُ -عادة - على اتّباع أساليب تُسْتَهَلُّ بها الرسائل وتُختتم، فاصطلحوا على أنّ"الأصل في الرسائل أن تُبْتَدَأ بالبسملة، ثم يُذكر اسم مُرْسِلها واسم مَنْ أُرسلت إليه، وما يكنّى به، وأحيانًا لقبه ورتبته، مع تقديم الفاضل على المفضول، ثم تُورد عبارة السّلام، تليها (أمّا بعد) ، التي غالبًا ما تكون مفتاحًا للدخول في موضوع الرسالة، أو التحميد الذي يتقدّمها أحيانًا، فيأتي قبلها، وهي أشبه ما تكون بلازمةٍ قلّما يُستغنى عنها" (43) . بيد أنه ليس لزامًا أن يتبّع المترسّل هذا النهج، أو أن يلتزم نهجًا معيّنًا لا يحيد عنه، فليس ثمّة أسلوب محدّد بعينه يسلكه الكتّاب عامة، أو كاتب ما في كلِّ رسائله، فلكلٍّ أسلوبه الخاصّ به، ولكلّ مقامٍ مقال.
وقد بدأ سهل رسالته في الاقتصاد وبالبسملة، وأردفها بالدعاء، فقال:"بسم الله الرحمن الرحيم، أصلح الله أمركم، وجمع شملكم، وعلّمكم الخير، وجعلكم من أهله".
والتزم البسملة والصلاة على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعبارة (أما بعد) ، على الوِلاء في كلّ رسائله الديوانية، وأضاف الصلاة على آل الرسول في بعضها، وزاد على ذلك اسم المرسِل والمرسَل إليه مع الألقاب والسلام في رسالة واحدة (44) .