وظاهرة الإطناب وليدةُ التطوّر العقلي الذي حصل في هذا العصر، علما أن ثمّة من يُطيل من الكُتّاب منذ العصر الأموي كعبد الحميد الكاتب وغيره (50) ، لكنّ"ملكة التطويل استحكمت أواخر القرن الثاني، بتكاثر عدد من نشأ من الفرس كُتّابًا وخطباء ومؤلفين" (51) . وما أطنب سهلٌ في رسالة البخل إلاّ لأنّه في معرض حِجاج وجدل، فكان لا بُدَّ من بسط الآراء والبراهين والأدلّة، ليؤكّد ما ذهب إليه.
أمّا الأسلوب الذي اعتمده في رسائله، فهو الأسلوب المتوازن أو المزدوج، وأحيانًا الأسلوب المسجّع. والأسلوب المتوازن يقوم على تقسيم العبارات إلى مقاطع متوازنة، ومعادلة الألفاظ بعضها مع بعض، لتعطي إيقاعًا موسيقيًّا، من خلال التشابه في الجرس الصوتي؛ إذ تزدوج أكثر من جملة أو عبارة في تنسيقٍ مُنتظم، يتراوح بين الإطناب والإيجاز المساواة، بحسب ما يقتضيه المقام، وهو شبيه بالسّجع إلاّ أنّه لا يتقيّد بالتقفية، وقد يُسمّى لدى البلاغيين العرب بالسّجع المتوازن، أو السجع العاطل، أو الازدواج، أو الموازنة، (52) ، وقد عرّف القزويني (ت 739ه) الموازنة بقوله:"وهي تساوي الفاصلتين في الوزن دون التقفية" (53) .
وهو لديهم في مراتب ودرجات يَفْضُلُ بعضُها بعضًا في الرّونق والطّلاوة.
وهذا الأسلوب اعتمده أبرز كتّاب النثر الفنيّ في الأدب العربي، كعبد الحميد الكاتب (ت 132ه) ، والجاحظ (ت 255ه) (54) ، الذي بلغ الذروة في أدبه متأثّرًا بسهل بن هارون؛ فكثيرًا ما أطنب في وصفه والثناء عليه. وهذا الأسلوب يقع في مرتبة وسطى بين الأسلوب المسجّع والأسلوب المُرسل.