فهرس الكتاب

الصفحة 19241 من 23694

وقد التزمه سهلٌ في أدبه عامّة وفي كثير من رسائله، وقلّما نجد رسالة تخلو منه، ففي رسالة البخل نقرأ:"وليس من أصل الأدب، ولا في ترتيب الحُكْم، ولا في عادات القادة، ولا في تدبير السّادة، أن يستوي في نفيس المأكول، وغريب المشروب، وثمين الملبوس، وخطير المركوب، والناعم من كلِّ فنّ، واللُّباب من كلِّ شكل، التابعُ والمتبوع، والسَّيّد والمَسُود" (55) .

ويبدو من هذا الكلام -كما يرى شوقي ضيف -أن"الألفاظ تتوازن، لكن لا في شكل سَجْع، بل في شكل تقطيعات دقيقة، وكأنّي بسهلٍ لم يكن يعمدُ إلى أداء أفكاره بلفظٍ فصيحٍ فقط، حتى تستقيم لأسلوبه فنونٌ من الجمال المادي الذي يخلبُ سامعيه، كي يؤثر في وجدانهم وعواطفهم، بجانب ما يؤثر به في عقولهم من حِجَاجه وجدله، والتماسه للبراهين والأدّلة على أفكاره" (56) .

ولا يجنح في أدبه إلى السجع، إلا ما جاء عفو الخاطر، وجادت به القريحة؛ إلاّ أنّه في رسائله يميل إليه، ويعتمده أسلوبًا فنيّا في صياغة أكثر من رسالة.

والسّجْع أو التسجيع لدى البيانيين العرب، هو"تواطؤ الفواصل في الكلام المنثور على حرفٍ واحد" (57) ، وهو كما يرى ابن وهب -من أوصاف البلاغة"في موضعه، وعند سماحة القول به، وأن يكون في بعض الكلام لا في جميعه، فإنّ السّجع في الكلام كمثل القافية في الشعر، وإن كانت القافية غير مستغنى عنها، والسّجع مستغنى عنه. فأمّا أن يلزمه الإنسان في جميع قوله ورسائله، وخطبه وناقلاته، فذلك جهلٌ من فاعله، وعِيٌّ من قائله" (58) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت