فهرس الكتاب

الصفحة 19242 من 23694

والسَّجْع قديمٌ عند العرب،"فالعربيُّ سجّاعٌ بطبعه" (59) ، وقد كان يلهج به الكُهّان وخطباء الجاهلية. وكان الخطباء والبلغاء يجنحون إليه في خطبهم ومكاتباتهم تارة، ويعزفون عنه تارة أخرى، واستمرّ هذا دأبهم حتى منتصف القرن الثالث الهجري، أو لنقل حتى أواخره، ثم شاع في القرن الرابع شيوعًا مفرطًا، والتزمه عامّة الكتّاب. وفي العصر العباسي الأوّل نجد"أنّ البرامكة كانوا من أهمّ العوامل في شيوع السّجع في الكتابة الديوانية، وحقًّا أنّه لا يطّرد دائمًا في كتاباتهم، ولكنْ نُحِسُّ ميلَهم الواضح له، هم وبعض كُتّابهم ومن كانوا يكتبون إليهم" (60) . وإذْ عرفنا أنّ سهلًا كتب في دواوينهم، وتأثّر بهم وببلاغتهم، فلا غرو أن نجد سهلًا يقصد إليه قصدًا في كتابة أكثر من رسالة، ولا سيّما الرسائل الديوانية منها، بَيْدَ أنّه قَصْدُ الفنّان المتمرّس بصنعته، غير المتكلف لها، فسجعه قريبٌ من الطبع، يمتاز بالخفّة والرّشاقة، وعذوبة اللفظ، وجمال الإيقاع، وحلاوة النّغم، يقول في رسالة على لسان النمر (الملك) بعد أن قتل الذئب قائده وثّابًا:" فإنّك لم تَمْرِ بقتل وثاب صَوْبَ سحاب، ولا استَدْرَرْتَ به عذب شراب، بل مَرَيْتَ به سَوْطَ عذاب، وكأسَ سَلَعٍ وَصَاب، لو قد رأيت حَلَقَ الحديد، مضاعف التشديد، وخوافق البنود، محفوفةً بالجنود، وبوارق السيوف، تضحك إلى الزحوف، وتفترّ عن الحتوف، والقنا يتحطّم، واليَلَبَ يتهشّم، والأسنّةَ تَرْعُف، والقلوب تَرْجُف، والفرائص ترعُد، والسواعد تخضد، والسهام تتفلّق، والرِّقاب تتعلّق، إذًا لاستبدلت بفرحك تَرَحًا، وبسرورك بَرَحًا، وباغتباطك ندامة، وبتفريطك ملامة" (61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت