ومن البيّن أن سجعه غير متكلّف، ولا مُستْكره ممجوج، بل هو ممّا يألفه الطبع، ويروق الذوق في هذا المقام، الذي تعلو فيه نبرة الشدّة، ووصف الحروب. وجَنَحَ سهلٌ إليه عن قصدٍ ووعي بما يتناسب مع مضمون الرسالة، والموقف الذي تصوّره. فيقترن إيقاع الحرب بإيقاع الكلمات، فهو يتّخذ هذا الأسلوب مراعاة لمقتضى الحال. وجُلّ رسائله في هذا الباب تغلب عليها الحدّة في الحوار الترسّلي -إن جاز التعبير -وترمي إلى إثارة الخوف والرعب في نفس المتلقّي، إضافة إلى التنميق والزخرفة وتزيين الكلام. واستخدام السَّجْع في الرسائل السياسية خاصّة، يذكّرنا باستخدامه عند المنافرة والمفاخرة في العصر الجاهلي، كما أشار الجاحظ في حديثه عن مطاعن الشعوبية على خطباء العرب (62) . ورسائل سهل هذه -في واقع الحال -أشبه ما تكون بالمنافرات؛ فكلُّ منهما يفاخر صاحبه بالعتاد وكثرة الأجناد، وعزّة النفس وإبائها ونحو ذلك، وكأنّهما في منافرة.
وأيًّا ما كان، فإنّ السَّجْع في رسائل سهلٍ، قُرِن برشاقة في اللفظ، وبشيء من الجزالة أحيانًا، وعمق في المعنى، وإثارة في التصوير؛ فاستحوذ على ضروبٍ من الصنعة الفنية، والإثارة الذهنية. وقد امتاز سَجْعُه بقصر ألفاظه وتعادلها؛ فهو -في الغالب -مؤلّف من لفظتين لفظتين، وهو أحسن أنواع السَّجْع؛ لقرب الفواصل المسجوعة من سمع السامع، وأوعرها مذهبًا، وأبعدها متناولًا، وأخفّها على القلب، وألذّها على الأُذُن، ولا يقدر عليه إلاّ الفحولُ الأفذاذ، ولا يجيء إلا نادرًا، كما يرى ابن الأثير (ت 637ه) (63) ، ومثالُه قولُه تعالى: