فهرس الكتاب

الصفحة 19246 من 23694

وقد اقتبس سهلٌ من القرآن الكريم، قاصدًا تزيين أسلوبه، وإضفاء طابع الجزالة والرّصانة والرّونق على كلامه. وقد بيّن ابنُ الأثير الغاية من الاقتباس من القرآن في الترسّل. فقال:"إذا ضُمِّنَتِ الآيات في أماكنها اللائقة بها، ومواضعها المناسبة لها، فلا شُبْهة فيما يصيرُ للكلام من الفخامة والجزالة والرونق" (67) ،"وأيضًا فإنّ الآية الواحدة تقوم في بلوغ الغرض وتوفية المقاصد، مالا تقوم به الكتب المطوّلة، والأدلّة القاطعة" (68) . وهذا ما ابتغاه سهلٌ حين ختم إحدى رسائله بآية قرآنية، فأقسم على لسان الملك (النمر) متوعّدًا".... لأطأنّك وَطْأةً تكون رَتِيْمًا بعدها، (وسيعلمُ الذين ظلموا أيَّ مُنْقَلَبٍ ينقلبون) " (69) .

وهذه الطريقة في كيفيّة الاستفادة من القرآن الكريم، يسمّيها البلاغيون"الاقتباس، وهو أنْ يُضَمَّنَ الكلام شيئًا من القرآن، ولا يُنَبَّهُ عليه" (70) . وهو أكثر ما يكون في الكلام، لأنّه يشي بمقدرة الكاتب في البلاغة، وبراعته في وضع الآية ضمن سياقها دون نشازٍ و إخلالٍ بتأليف الكلام.

ومن أهمّ أوجه الاقتباس من القرآن"محاكاة أسلوبه، واستعارة عباراته، وألفاظه، وطرق تعبيره، وهذا شائعٌ في كثير من الرسائل، وهو يُنْبِئُ عن إعجاب الكاتب بأسلوب القرآن، وتأثيره به، ورغبته بمحاكاته، ولا يتهيّأ ذلك إلاّ لمن كانت آيات القرآن تنساب على لسانه انسيابًا، وترسخ معانيه في ذهنه" (71) . ويبدو أن القرآن الكريم قد استحوذ على فؤاد سهل بن هارون وملك عليه لبّه وأخذ بمجامع عقله وقلبه جميعًا؛ فإذا هو يستلهم مفرداته وعباراته، ومعانيه وأمثاله، ويضمّنها أسلوبه. وقلّما نجد رسالة، تخلو من عبارة قرآنية أو مفردة أو تركيب ما أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت