فهرس الكتاب

الصفحة 19257 من 23694

وإذا فاخر ابن حزم في رسالته: (فضل الأندلس ورجالها) بابن شُهيد (ت 426ه‍) وبلاغته، فإنّه يَقْرِنه بسهلٍ والجاحظ، كيف لا؟ وهما -في رأيه -القمّة التي وصلت إليها الكتابة الفنية، ولنسمعه يقول:"ولنا من البلغاء أحمد بن عبد الملك بن شهيد صديقنا وصاحبنا، وهو حيٌّ بعد، لم يبلغ سنّ الاكتهال، وله من التصرف في وجوه البلاغة وشِعابها مقدارٌ يكاد ينطقُ فيه بلسانٍ مركّبٍ من لساني عمروٍ وسهل" (111) . ويبدو أنّ لهاتين الشخصيتين حضورًا مميّزًا، ومكانة مرموقة في ضمير الأندلسيين، ورأيُ ابن حزمٍ فيهما ليس كرأي غيره؛ فهو أديب بارع وشاعر مُجيد، عدا كونه فقيهًا ظاهريًّا، وعالمًا مفكرًا لا يُشقّ له غبار كما يقال. وقد ملكت بلاغةُ سهل عليه فؤاده، فهو لا يفتأ يذكره، مع صِنْويه: الجاحظ والحسن البصري، وقد رأى في رسالته: (التقريب لحدّ المنطق) أنّ بلاغة الجاحظ تميل إلى الألفاظ المعهودة عند العامّة، وبلاغة الحسن البصري وسهل بن هارون تميل إلى الألفاظ غير المعهودة عند العامّة"ثم يحدث بينهما قسمٌ ثالث أخذ من كلا الوجهين كبلاغة صاحب ترجمة كليلة ودمنة، ابن المقفّع كان أو غيره، ثم بلاغة الناس تحت هذه الطرائق" (112) . ومقصد ابن حزم -كما أرى -ينصرف إلى أن الجاحظ يستعمل كلمات العوامّ وألفاظ المكدين المولَّدين، كما في كتاب (البخلاء) .وللجاحظ في هذا المنزع دوافع ومسّوغات أوردها في مقدّمات بعض كتبه. أما سهلٌ فينتخب ألفاظه بدقّة، ويتأنّق في اختيارها؛ لأنّه يخاطب في أدبه جِلَّةَ العلماء، وكبار البلغاء، وهذا يعود إلى طبيعة عمله في الدواوين، وإشرافه على بيت الحكمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت