فهرس الكتاب
وأما الغبطة والحسد: فخلقان، والأول منهما أن تتمنى لنفسك ما أوتيه صاحبك، والثاني أن تتمنى زوال ما أوتيه صاحبك إن لم يصل إليك. وكما يقول:"رسوم هذه الأخلاق أي وصفها أسهل من تحديدها" (41) .
وأما الثقة والارتياب: فهما يحمدان ويذمان، وهما خلقان ينفعان ويضران بمقتضى السياق أو الحالة فإنه يقال:
"لا تثق بكل أحد، ولا تَرْتَبْ بكل إنسان"، وهكذا الطمأنينة والتهمة لأنهما في طيهما" (42) ."
وعلى هذه الوتيرة يسوق مفكرنا أمثلة، إلا أن ما تجدر الإشارة إليه، والوقوف عنده، هو أنه بالرغم من إشارة التوحيدي إلى ما يحويه الوجود الإنساني من تناقض، وما يدور حوله من توتر بين هذه المتناقضات. أقول: بالرغم من إشارته هذه بكل ما حوت من رؤية لنسيج الوجود الإنساني، وقد بدأ للأسف وكأنه يجعل من التكوين الطبيعي للإنسان الغلبة في الخلق مع إشارته إلى أن الإنسان يفعل مختارًا لا بالإلهام، ولكنه مع ذلك كما يبدو أعطى لهذه الطبيعة أو التكوين الغلبة حتى قلص من مدى اختيار الإنسان، وكأنه قد جعل فيه قدرًا من الإلهام أكبر مما يصرح به، ولكنه جعله بدلًا من أن يكون إلهامًا واحدًا في شتى أفراد النحل أو أي نوع حيواني آخر، أقول جعله وكأنه إلهام خاص لكل فرد في النوع الإنساني.
ولننظر إلى ما ذكره من هذه المتناقضات بكل ما تحمل من إشارة إلى ثراء التجربة الإنسانية.