فهرس الكتاب

الصفحة 19305 من 23694

وفي كلامه على حياة الأخلاق نلمح اهتمامه بمبحث الخلق، ونرى تأكيده لفكرة أن الخلق تابع الخلق بالمضارعة اللفظية، وبالتالي نجد أن كلامنا نوعان من الخلق، الأول: يزول بالرياضة كل الزوال أو يقل بعض الإقلال، وبالجملة يمكن أن يتغير ويتبدل، والثاني: صورة للنفس، لا يطمع في البراءة منه، والطهارة عنه (47) .

ومع ذلك فمفكرنا ينسب إلى السجستاني قوله: (تحديد الأخلاق لا يصح إلا بضرب من التجوز والتسمح، وذلك أنها متلابسة تلابسًا، ومتداخلة تداخلًا، والشيء لا يتميز عن غيره إلا ببينونة واقعة تظهر للحس اللطيف، أو تتضع للعقل الشريف) (48) .

ويذكر على لسان السجستاني أيضًا نفس الرأي السابق الذي ذكره منسوبًا إليه في رسالة الحياة من أن الخلق تابع للخلق، مما يؤكد أن الرأي للتوحيدي أو أنه على أقلّ تقدير، أخذَ به، إذ يذكر للسجستاني قوله: (والأخلاق والخلق مختلطة، فمنها ما اختلاطه قوي شديد، ومنها ما اختلاطه ضعيف يسهل، ومنها ما اختلاطه نصف بين اللين والشدة، وهذه ينفع العلاج في بعضها، وينبو العلاج عن بعضها، والحزم يقضي بألا يتهاون بما يقبل العلاج لأجل ما لا يقبل العلاج) (49) .

وكل إنسان عند مفكرنا لا يخلو من تقصير واجتهاد، وبلوغ الغاية وقصور عن النهاية، وتشارك في المحامد والمذام، والمساوئ والمحاسن (50) . فكل شخص فيه السيِّئ والحسن، وفيه من الصفات ما يحمد، وما يذم، ولكن المهم أي الصفات تغلب؟ أهي الصفات المستحسنة أو المستهجنة، وليست المسألة في الكم أو في عدد الصفات، ولكن إذا كان مع الحسن الصفات ما يفسد صفاته المستحسنة، وإن كان مع السيِّئ أو اللاأخلاقي ما يغطي مساوئه أو صفاته المستهجنة، فإن ذلك من شأنه أن يغير من القيمة الأخلاقية لسلوك الشخص (وكما وجدنا السيئات يحبطن الحسنات، وكذلك قد وجدنا الحسنات يذهبن السيئات) (51) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت