فهرس الكتاب

الصفحة 19310 من 23694

وإذا كان الإنسان يسقط أحيانًا في هذه الرذائل، فإن التوحيدي، كمفكر مؤمن، وبالرغم من تصريحه بأن الخلق تابع للخلق، وأن منه ما يتغير ومنه ما لا يتغير، أقول بالرغم من ذلك فهو كمفكر مؤمن يؤمن بما يسمى بالعفو الإلهي، ويؤمن بالندم والتوبة، وأن إحساس الإنسان بخطئه من شأنه أن يلبسه ثوب العفو الإلهي، وهذا العفو منوط بالضمير إذا تعلق بالرجاء.

العلاقة بين العقل والأخلاق:

والتوحيدي يهتم اهتمامًا بالغًا بالمواقف الأخلاقية فهو يسجل مثلًا بعض السلوك المرذول فيصف الصاحب على لسان أبي زكريا الصيمري (رقيقًا أهوج، سيِّئ الأدب، مغتاظًا على ذوي المروءات، منانًا بالقليل) (75) .

وهذا الفساد الأخلاقي لا يوازيه كل النعم الكمالية أو المادية التي حظي بها الرجل، وبالتالي فقيمة العقل ورجحانه على المال مهما بلغ حقيقة ولذلك يقول على لسان الصيمري: (العقل إذا صح فهو المنحة التي لا يوازيها شيء، وإذا اختل فهو البلوى التي لا يتلافاها شيء، ولو كان مع هذا العقل عاريًا من جميع البلوى التي لا يتلافاها شيء، ولو كان مع هذا العقل عاريًا من جميع ما عددناه لعلاه بعض العامة بكيسه ولطفه) (76) .

ومع ذلك فإن الواقع الاجتماعي له حكم مختلف عن الحقيقة الموضوعية ومن ذلك أن الغنى كثيرًا ما يستر عيوب أصحابه (فالغنى رب غفور) ، ويقول:

ذريني للغنى أسعى فإني رأيت الناس شرُّهم الفقير

وأبعدهم وأهونهم عليهم وإن أمسى له كرمُ وخِير

ويُقْصيه النديُّ وتزدريه حليلته وينهرُه الصغير

وتَلقى ذا الغنى وله جلال يكادُ فؤادُ صاحبه يطير

قليلٌ ذنبه والذنب جَمٌّ ولكنّ الغنى ربّ غفور (77) .

ولذلك فالصاحب بالرغم مما فيه من رذائل أخلاقية فله (مع الغنى أمر، ونهي، وقوة، وسلطان، وجد، ودولة، فكل عيبه مستور، وكل فضله منشور) (78) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت