فهرس الكتاب
ولكن يؤكد أن المظهر مهما بلغ، لا قيمة له، ولا يدل على شيء في نفسه، إذْ تبقى هناك حقيقة، وهي أن الظاهر لا يتطابق والباطن بالضرورة، والمحك في النهاية هو الباطن، وبالتالي فالنظر لا يكون إلى نقاء الثوب، وحمرة الوجه، وفراهة المركب، أو إلى الحشد أو الموكب، وإنما يجب أن ننظر إلى (عرض الرجل كيف هو، وإلى الشكر له كيف هو، وإلى درهمه من أين وجهه، وإلى أين توجهه) (79) .
ولكنه يؤكد في نفس الوقت أنه كما أن الألسن تتبع القلوب، فالعيون تنطق عن الضمائر، وذلك لأن التوحيدي وهو يتحدث عن المواقف الأخلاقية، لا ينسى قدرته على النفاذ في خفايا النفس الإنسانية فيربط بين التعبير الحركي، والجسدي، وبين الدلالة بصرف النظر عن ظاهر الفعل أين يتجه أو بماذا يسمى.
ويرى التوحيدي أن الحاجة تدعو إلى إظهار الفضائل والرذائل على الأقل عن طريق الإيجاز (80) ، وإذا ذكرت الفضائل فلابد أن تذكر الرذائل والعكس، وهو يذكر من الفضائل مثلًا: الشجاعة ـ العدالة ـ الكرم ـ الرأفة ـ الجود ـ ويقابل هذه الفضائل الرذائل: وهي الجبن ـ السفه ـ البخل...الخ. وذلك لأنه: (بانكشاف الفضائل انكشاف الرذائل، وكذلك بانكشاف الرذائل انكشاف الفضائل) (81) .
ثم يشرح لزوم كل فضيلة مع الإنسان:
فالشجاعة: يقهر بها كل ما توعر منه ويلين كل ما يشتد عليه، ويقهر بها كل ما عداه، وأولها نفسه التي إذا قدر عليها كان على غيره أقدر، وإذا جار على خاصيته فهو على خاصة غيره أجور (82) .
والعدالة: لما كانت بها يملك خلة التساوي فهي إذا صارت له صورة اكتسب بهجة إلهية فالتساوي (من الوحدة، والوحدة هي التي إليها الشوق، وعليها وله الخلق) (83) . الحلم: يحليه، بحلية رباعية، والحلم إذا اتخذه سلوكًا له، قرب، وخدم، وحمد، هذا فضلًا عن أنه بالحلم يترقى لأنه (من الخصال المرقية للبشر عن صفات النوع) (84) .