فهرس الكتاب
نعم ذكر التوحيدي الفحش في كتاب (البصائر والذخائر) ، وكتاب (الإمتاع والمؤانسة) ، ولكن التوحيدي في ذلك لم يكن منفردًا في عصره، بل كان هذا شائعًا في آداب ذلك العصر، ولم يكن أمرًا مستغربًا، ولا مستهجنًا اجتماعيًا، بدليل ما ورد في (الإمتاع والمؤانسة) ، في مجالس الوزير وفي حضرة من حضر، مع أن الوزير فيما يذكر التوحيدي كان متدينًا فقد قال: (ونظرت إليه وقد دمعت عيناه، ورق فؤاده وهو ـ كما تعلم ـ كثير التأله، شديد التوقي، يصوم الاثنين والخميس، فإذا كان أول رجب أصبح صائمًا إلى أول يوم من شوال، وما رأينا وزيرًا على هذا الدأب وبهذه العادة لا منافقًا ولا مخلصًا(107) .
وقد ورد الفحش في كتب التوحيدي على ألوان، فمنه ماهو جنس صارخ حتى ليصعب ذكره في هذا المجال. ومنه ماهو فحش ديني كقوله: (في النبيذ شيء من الجنة ـ"الحمد لله الذي أذهب عنا الحَزَن"ـ والنبيذُ يُذهب الحزن) (108) .
ومنه أيضًا ماهو أخلاقي يصور واقعًا أو مفهومًا جديدًا للعشق أو غيره، وذلك كذكره لقول ابن سيرين: (كانوا يعشقون من غير ريبة، فكان يستنكر من الرجل أن يجيء فيحدث أهل البيت ثم يذهب، قال هشام: ولكنهم لا يرضون اليوم إلا بالمواقعة) . (109)
ويظهر من الأمثلة السابقة أن هذا الفحش كان تصويرًا لواقع، وهو لون من ألوان الأدب الشائع في ذلك العصر لا يمكن تجريمه فنيًا اللهم إلا في ضوء الإيديولوجية التي تحكم هذه الحضارة، ألا وهي الفكر الإسلامي، وقد عدد الأستاذ أحمد أمين الأسباب وراء الفحش في بعض كتب التوحيدي، مقدمًا ثلاثة:
ـ الأول شيوع الفحش في العصر (فنحن إذا قلنا: إن الحضارة العربية كان من طابعها القتل المكشوف من غير موارب، لم نبعد عن الصواب) (110) .
ـ والسبب الثاني: أن أبا حيان كان فيما يظهر مكبوتًا جنسيًا.
ـ والسبب الثالث إفراط الناس في المجون في عصره، والواقع أن السبب الثاني ليس هناك دليل عليه.