فهرس الكتاب
3 ـ أو أن التوحيدي ينكر الفحش من حيث هو سلوك، أو دعوى لمفهوم أخلاقي وإن كان يقبله في عرضه كدليل على واقع معيش، فكما عبر عنه في (الإمتاع والمؤانسة) عبر عنه في (مثالب الوزيرين) تدليلًا على فساد من أراد إظهار فسادهم؟...
وأيًا كان الأمر فلا شك أن الموقف محير بعض الشيء، ويمكن أن نفسر ذلك بأن التوحيدي قد قبله وسجله في"الإمتاع والمؤانسة"ولكنه استنكره في (مثالب الوزيرين) ، لما يفيده ذلك في إظهار فساد الصاحب، ولكن عندئذٍ ربما نكون أقرب إلى الحكم الموضوعي ونرى أن نكون قد ظلمنا التوحيدي والأقرب من ذلك القول بأن التوحيدي في"الإمتاع والمؤانسة"، كان تحت الضرورة، أي لسبب تاريخي في عصر التوحيدي، والإحساس بالخوف والقلق الذي يدفعه إلى طلب الرضا عنه من الوجهاء، ليشعر بالأمان الذي يفتقده في بلاطهم، ولكنه من ناحية أخرى تحت الإحساس الصوفي أو الديني العميق يرفض الفحش، وهذه عمومًا محاولة لاكتشاف مايبدو تناقضًا ولكن أيًا كان الأمر فيجب أن نقرر أن الذي يراجع آثار الكتاب في ذلك العصر، يقتنع بأنهم لم يكونوا في الأغلب رجال حشمة ووقار، وإنما كانوا يفضلون الصراحة العابثة فيما يقولون وما يعملون) (113) .
ولكن التوحيدي يوضح وجهة نظره في هذا الموضوع ويعرض أسباب ذكره للفحش وله رأي نفسي وفكري وهو أن ذلك جزء من التجربة الإنسانية لا غنى عنها. يقول: (إياك أن تعاف سماع هذه الأشياء المضروبة بالهزل، الجارية على السخف فإنك لو أضربت عنها جملة لنقض فهمك وتبلد طبعك، ولا يفتق الفعل شيء كتصفح أمور الدنيا، ومعرفة خيرها وشرها، وعلانيتها وسرها) (114) .