فهرس الكتاب

الصفحة 19335 من 23694

لا أحد ينكر أن البلاغة العربية بمباحثها المختلفة، إنما نشأت في جو الجدل والكلام، وأنها لم تكن في معزل عن التيار الاعتزالي الذي قنّن مبادئها، وأسبغ عليها من تأثير العقل ما جعلها تجنح في كل رؤاها إلى التقنين العقلي الصارم، الذي أحدث فيها تقسيمات منطقية المنزع والتفسير معًا. وهذا واقع فكري عام، أملته ظروف حضارية خاصة. بيد أن التعامل مع التشبيه عند المحدثين، ظل على حاله يمتح مادته من المتقدمين، مسترفدًا عين الرؤية التي أطرت المبحث من قبل. فإذا كان الأعرابي يتلقى التشبيه في الشعر تلقيًا خاليًا من الفكرة التي ألحقتها به المحدثون، فلم يكن يجد من ضرورة في إثبات الغيرية، والعقد، والوصف، والمبالغة،.. وغيرها مما استشفه المنطق العقلي من عمليات التشبيه، حين عزلها عن التوتر الشعري الذي استعملها.

إننا إذا أفلحنا في العودة إلى التلقي الفطري الذي تحدثنا عنه، لم نكد نلتفت إلى التشبيه على النحو الذي تقدره البلاغة الاعتزالية. بل قد ننفر من الأقاويل التي سجلناها حتى لو قدمت لنا فهمًا عقليًا عن العملية التشبيهية. غير أننا في خضم العملية الإبداعية سريعًا ما نتجاوز المشبه والمشبه به، والعلاقة القائمة بينهما، إذ هي أمور لا تعنينا، وليس لنا من الوقت ما يسمح لنا بالتوقف طويلًا أمامها. لأننا مغمورون في دفق شعري له سرعته وتوتراته الخاصة، التي يفتح لنا فيها التشبيه مسارب ثانوية في الدلالة الشعرية. فلا نكاد نخرج من فيض حتى يغمرنا فيض آخر. ولا نستروح عند صورة حتى تغزونا صورة ثانية.. ذلك هو حال الأعرابي الذي لم يكن يجد شيئًا يسمى تشبيهًا، وآخر استعارة، وثالثًا كناية.. إنه ينتقل في هدهدة الدفق الشعري عبر الصور، وهي تتوالى على مسمعه، تنقل الريشة في مهب الريح، لا تسأل عن وجهته، ولا شدته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت