ولسنا ندعو وراء ذلك، إلى التلقي الفطري الأولي، فتلك انتكاسة لا نريد لها أن تحل ساحتنا، ولكننا ندعو إلى تجاوز فهم أطرته النزعة العقلية، فجففت فيه منابع الحس والجمال، وأحالت جمالياته إلى ضرب من العمليات الرياضية الخالية من الإثارة والاستفزاز. وفي المقابل نريد أن نقدم للتشبيه فهما آخر يمكِّننا من استعادة صفاء الذات وطواعية تلقيها وتعاطفها، دون أن تفقد معرفتها المتنوعة، فإذا التشبيه، والاستعارة، والكناية.. عمليات تقع في صلب العملية الإبداعية ذاتها، تدفعها الذات في الدفق الشعري حين يعترضها التعبير برؤى مستجدة، يكون من المحتّم عليها أن نستغرقها، إما عن طريق توازي التشبيه أو تداخل وتماهي الاستعارة، أو إشارة الكناية.
وإذا عدنا إلى المتوالية من الأقاويل التي سجلناها من قبل لنفحصها على ضوء ما نقرر من أمر التشبيه في العملية الإبداعية، وجدنا مفهوم"المقارنة"بين الطرفين عند"ابن الأثير"لا يفيدنا في شيء. ذلك أن الذي يُشَبِّه في الشعر، لا يريد أصلًا إجراء عملية مقارنة بين طرفين. فما تفيد المقارنة في أمر ينبع من أغوار الذات أخيلة، وأحاسيس، وعواطف. وما عساها تضيف إليه من جديد سوى أن يكون هذا هو ذاك، أو قريبًا منه. وما أحسب أن الشاعر يُرهق نفسه من أجل هذا الأجر الزهيد فيما يسوق من تشبيه. بل القصد الموقوف على العملية التشبيهية، لا بد له أن يقع بعيدًا عن المقارنة الشاخصة، التي تنتهي بسرد أوجه الشبه والاختلاف وحسب. ولن تحمل من حقيقة الأطراف المقارنة إلا مظاهرها، لا جواهرها.