أما محاولة"إيهام المتلقي"بأن المشبه هو المشبه به عند"العسكري"فمردودة هي الأخرى، مادام الشعر لا يقصد الإبهام ولا يطلبه. بل الشعر ضرب من المعرفة الخاصة التي لا تتأتى للعلم. وليس من قصدها أن يتوهم المتلقي إحلال شيء مكان آخر. وكأن العملية الشعرية كذب وتدليس ليس إلا. وأن ذلك لا يكون إلا مع محاولة إخفاء الأداة إمعانًا في ذلك التلفيق. إننا إزاء التشبيه لا نريد للمشبه به أن يحل محل المشبه في الصورة التي نختار، بل يجري اقتراب أحدهما من الآخر في ضرب من التمازج الذي يحققه الاستعارة. غير أنه في التشبيه يعرض على التعبير سبيلًا موازية يتدفق من خلالها التوتر لخلق مجالات تضطرب فيها الدلالة جديدًا. فالمشبه به، وهو يقف المشبه، يسعفه على استرفاد طاقة جديد من التوتر يكون المشبه أحوج إلى من يساعده على حملها.
فالليل في شعر"امرئ القيس"لا يقوى على الانطلاق إلى ما يريده له الشاعر إلا من"الموج"الذي يمدُّه بالارتفاع ماديًا، وبالخوف والهلاك معنويًا. إن حاجة المشبه إلى المشبه به، لا تجد مسوغها الإيهام، ولا في الغيرية.. بل في مقاسمة المشبه عبء الدلالة الطاغية التي تغزوه من أغوار النفس. ولو قلّبنا التشبيهات العربية لوجدنا في معنى التعاضد بين الطرفين ما يفسر لنا التشبيه، والاستعارة، والكناية، وغيرها من الأساليب البلاغية..