فهرس الكتاب

الصفحة 19338 من 23694

وإذا كان"الجاحظ"و"الرماني""والعسكري"و"السيوطي"يجدون في التشبيه معنى"النيابة"فما جدوى أن ينوب"الموج"مناب"الليل"وما مقدار الفائدة المعنوية والدلالية التي تقدمها النيابة في هذا المقام؟ إن الفهم العقلي الذي يراقب العملية في حركتها الخارجية، لا يدرك سوى مظهرها الآلي الذي يمثل له عملية النيابة، وكأنه في مقدورنا أن نحذف المشبه لنضع مكانه المشبه به، ثم نستريح من عناء إبقائهما جنبًا إلى جنب. إنها عين الفكرة التي يحملها إلينا"العقد"وكأنه اتفاق بين الطرفين من قبل أن نشرع في العملية التشبيهية، ليقوم أحدهما مقام الآخر. ولعمري ذلك فهم يبعدنا عن جماليات التشبيه، ويحيله إلى مجرد توافق بين طرفين في أن يأخذ أحدهما مكان الآخر في بضعة أبيات من القصيدة، ثم يعود الأصل إلى موضعه بعد استراحة وجيزة.

وأشد من ذلك أن يتجه العقل الاعتزالي ليجد في التشبيه"إثباتًا"لمعنى من المعاني، أو لحكم من الأحكام.

وكأن المراد القائم وراء التشبيه في كل ذلك أن"نثبت"فقط مواطن الالتقاء بينهما، على الرغم من تقرير الغيرية في كل ذلك. وإذا تساءلنا عن العملية الإبداعية، ومدى استفادتها من الإثبات وعدمه، لم نجد لذلك جوابًا فيما يذهب إليه العقل التصنيفي الجامد. وليس من مرادنا فيما نسوق أن ننفي العقل من ساحة الفهم البلاغي، بل تلطيفًا لغلواء العقل في المضي وراء القرائن التي يمليها المنطق، دون الالتفات إلى طبيعة اللغة وآلياتها في إنتاج المعنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت