فهرس الكتاب

الصفحة 19339 من 23694

ربما يكون التشقيق العقلي لمباحث البلاغة العربية مفيدًا في معرفة آليات سير عناصرها، شريطة أن لا يُعزَل ذلك الفهم عن المجال الذي يجد فيه حقيقته وأصالته. ومجال البلاغة هو القول، والقول يتفصّد عن الذات، والذات لا يحكمها منطق الأشياء الحسية حتى لو اعتدلت اعتدال القناة. إن للقول فتنته الخاصة كما يزعم"الجاحظ"في مستهل"البيان والتبيين"والفتنة فيه تأتيه من"البيان"وللبيان سحره الخاص. ويتعذّر على السحر أن يُساءل بمنطق العقل.

كان"الجاحظ"يدرك ذلك جليًا فيما يكتب ويختار، بيد أن التالين أمعنوا في التشقيق وإهمال العملية الإبداعية.

فلم يقدم لهم التشبيه سوى مظهر جافٍّ خالٍ من ماء الحياة. ولم يجدوا فيه -من فرط ارتباطهم بالحدود والتصنيفات -إلا الغيرية، والنيابة، وغيرها.. لأن موطن السر في الفنون جميعها:"أن يتكسر الحاجز الذي يبدو عصيًا بين العقل والمادة، فيجعل الخارجي داخليًا، والداخلي خارجيًا، ويجعل من الطبيعة فكرًا، ويحيل الفكر إلى الطبيعية" (6) وليس يفلح أمام هذا التداخل الحاصل بين الحواجز والحدود، أن يكون فحص سر العملية الإبداعية قائمًا على الشخوص العقلي وحده، متذرِّعًا بالتصنيفات المنطقية في التشقيق والتبويب، متوقِّفًا عند مظاهر الأشياء دون جواهرها. ذلك لأننا حين ندرك حقيقة الفن، نتهيب دخول حرمه من غير منطقه الخاص، الذي يعرفه كيف تتحرك الآليات المادية والمعنوية في فسحته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت