كان"كروتشه"يقول:"إذا نحن استطعنا أن نسيطر على الكلمة الباطنية، أو أن ندرك صورة أو تمثالًا إدراكًا واضحًا جليًا، أو أن نكوِّن موضوعًا موسيقيا، فإن التعبير لا بد أن يجيء كاملًا. وذلك كل ما نريده. فلو انفتحت أفواهنا عن كلام، أو غناء، فكل ما نفعله حينئذ هو أن نفصح في العلن عما قلناه في السر قولًا باطنيًا. وأن ننشد في صوت مسموع ما أنشدناه في دخيلة نفوسنا." (7) وتلك هي الواقعة التي تعطي لما نريده للتشبيه من التحام بالعملية الإبداعية، التحامًا يخلِّصه من شبح التابعية التي ألصقتها به المباحث البلاغية المقنَّنة. فالتشبيه وهو يصعد من أغوار النفس، ليس عنصرًا مستقلًا يضاف إلى الإبداع، بل هو الإبداع يستكتب صوره في هذا الضرب من الصياغة فقط.
إن مراقبة التشبيه في الصنيع الشعري تقرّ بهذه الحقيقة إقرارًا مباشرًا، تتحسسه الذات المتلقية أثرًا واحدًا، لا أثرين منفصلين يأتي أحدهما أولًا، ويأتي الآخر تاليًا. وفي بيت"مجنون ليلى"مصداق ذلك، حين يقول:
فأصبحت من ليلى الغداة كقابض على الماء خانته فروج الأصابع
فليس يخفى أن ليلى تخلف الوعد والعهد. وأن ذلك يقع في قلب العاشق موقعًا مؤلمًا، يتعاظم مع تكرارها الخلف والتمادي فيه. ولسنا ندرك مقدار ذلك الوجع في قلبه لو راح يحدثنا عنه حديث الكم والكيف. إنها النقطة التي قلنا عنها إن المشبه يقف فيها منهكًا يحتاج إلى رافد يحمل عنه عبء الثقل الدلالي الذي يرومه.. إنه لن يستطيع أن يمضي بعيدًا فيما يريد ولو حشد من التفسيرات ما حشد، بل ستكون محض ثرثرة لا تغني في شيء. عندها يكون التشبيه ضرورة شعرية يتدخل فيها الشعب لينشعب بالدلالة إلى وجهة أخرى تفتح أمام التلقي عالمًا -حسيًا كان أو معنويًا -تسلك الشحنة العاطفية شعابه من جديد، فتجد فيه من السعة ما يمكِّنها من الانتشار الدلالي، من غير أن تركب متن الثرثرة والحشو. فالتشبيه محو للحشو وإبطال للثرثرة المشينة من هذا الوجه.