إن التلقي إزاء مشهد"القابض على الماء"يجسد صورة عدم الجدوى من جهة، وصورة الرجاء الكاذب من جهة أخرى. وهي دلالات ذات أبعاد معنوية لا يمكن نقلها على هيئتها تلك، إلا من خلال مشهد الواقف على الماء يحاول المسك به، فيراه ينسرب بين فروج أنامله. إن الوعود في تلاشيها لا تختلف في شيء من الماء الجاري بين الأصابع. وليس تغنينا المقابلة بين الوعد والماء، ولا المشابهة بينهما، ولا المقايسة.. بل الذي يؤثر فينا هو المشهد الذي أفلح التشبيه في إقامته سندًا للدلالة الأولية في البؤرة الشعرية. فالصورة المأساوية للقابض على الماء، وهو يكرر المحاولة إثر المحاولة، تتمّ عن قلة حيلة وضيق حال، وصبر تتداعى جوانبه وتهترئ.
إننا حين نتحدث عن بلاغة للكتابة المشهدية -من خلال التشبيه من هذا المقام -نسعى إلى تقرير التشبيه انعطافًا خطيرًا في الدلالة الشعرية، تأتي طاقته التشعيبية حين يقف المشبه على حافة العي والنضوب، يلتفت يمنة ويسرة، بحثًا عن مسعف يتولى مكانه حمل الثقل الذي تتعثر تحت ثقله الصياغة المباشرة. إننا نرى في العملية كيف توزِّع اللغة الشعرية أثقالها بين إمكاناتها المختلفة، وكيف يصبر الحمل الثقيل، بعد الانشعاب حملًا خفيفًا على اللسان ثقيلًا في الميزان.
3-الطاقة الاستعارية:
جريًا على هدي العقل التصنيفي يقسم"المرزوقي"الشعر إلى ثلاثة أقسام:"مثل سائر، وتشبيه نادر، واستعارة قريبة." (8) وكأن الصياغة التي اعتمدها الناقد ليست بريئة في ترتيبها للأولويات. فالشعر مثل سائر، تتعزز به وحدة البيت واستقلاله الدلالي، ليكون في محل المثل السائر الذي يمكِّن المتحدث من الاستشهاد به في المواطن التي يكون فيها في حاجة إلى رديف يصدقِّ قوله، ويعضِّد من رؤيته. ثم يأتي التشبيه النادر الذي يُستَملح في مبالغته ومماثلته، وأخيرًا يشترط في الاستعارة أن تكون قريبة، غير مشتطّة البعد، غارقة في الغموض والإبهام.