إن تقديم التشبيه على الاستعارة في الفكر النقدي والبلاغي العربي يجد مسوغه في الإطار الفكري الذي كان يكتنف الفهم لأنماط القول وفنونه. وهو الفهم الذي يجد مصداقيته في الرؤية الاعتزالية المتّشحة بالمنطق الأرسطي الذي وجد فسحته في الكتابات المتأخرة،. وخاصة تلك التي أوقفت حسن الاستعارة على مبدأ"الملاءمة"واشتراط القرب.
وكأن الإيغال في الغموض مثلبة يجب على الشعر تحاشيها، فالحسن جلي في الوضوح، وقريب المآخذ. والقبح مجسّد في الغموض، وبُعْدُ الصلات بين المستعار والمستعار له.
إننا نجد لفظ"الاستعارة"ذلك النعت الذي يجعلها هي الأخرى مجرد"استعارة"فيها من التسوُّل ما فيها، حين تمتد إليه إلى الخارج تطلب عونه. وربما كان هذا الفهم هو أدعى إلى تقديم الاستعارة على هذا النحو من الفجاجة التي تقيم الحدود بين طرفين على الرغم من السعي وراء حذفها، أو على الأقل تمويهها. فإذا كانت الاستعارة لا تتعدى كونها"نقل"اللفظة من حيث الاستعمال من معنى إلى معنى آخر، فذلك عبث باللغة ودلالاتها، أو هو عي فيها.. لأننا في الاستعمال الاستعاري لا نقوم بنقل لفظة من مكان إلى مكان آخر، ولا نستعيرها لتأدية معنى جديدٍ وليست الاستعارة -بعد هذا -ذلك التشبيه الذي لا يصلح فيه وجود الأداة أو عدمها. إنها -فوق هذا وذاك -تعبير:"يقوم على درجة من درجات التقمص الوجداني، تمتد فيه مشاعر الشاعر إلى كائنات الحياة من حوله، فيلتحم بها، ويتأملها كما لو كانت هي ذاته، ويلغي الثنائية التقليدية بين الذات والموضوع." (10) فالاستعارة محو للحدود بين عناصر العالم وأصنافه، وامتداد للذات في الوجود حسًا وعاطفة ووجودًا. إنها تمكّن الشاعر من إجراء عمليات تحويلية من قبيل السحر الذي يهدم أمام المشاهد طبيعة الأشياء، ويبطل في عقله قوانين المادة فيها. فهي بهذا الاقتدار لن تكون تشبيها، ولن تكون"استعارة"بالمعنى الذي يشيعه اللفظ من معنى أولي.