فهرس الكتاب

الصفحة 19344 من 23694

وحين نتأمل الاستعارة في خضم المشهد نستعظم فعلها، فيكون لنا منه اعتقاد غريب يوحي لنا بأن الشعر كلّه استعارة، بمعنى التقمص الوجداني والتماهي العاطفي، وفتح مجال الحياة من غير حد ولا حاجز. فتتراءى لنا التخوم القصية لأحلام الذات وامتداداتها. ولننظر إلى ذلك الشاعر الذي يسكنه هاجس الترحال وإلغاء المكان (11) كيف تذهب به الاستعارة مذهبًا عجيبًا:

تقول وقد درأتُ لها وَضِيني أهذا دينه أبدًا وديني

أكل الدهر حل وارتحال أما يُبقي عليَّ ولا يقيني؟

إن هم الرحلة لا يسكنه وحده، بل يمتد منه إلى الناقة، فهي الأخرى تكابد ما يكابد. وكأنهما يشتركان فيه اشتراكًا يجعل الواحد منهما متعلقًا بالآخر تعلقًا لا يمكن أن يُفصل. والمشهد الذي تنسجه الاستعارة في هذا المقام، يقدم لنا الشاعر وهو يدرأ وضينه (الفراش الذي يوضع على ظهر الناقة) على الأرض تمهيدًا لشدّه على ظهر الناقة. إنها الحركة الأولى في الرحلة، تنطلق منها المكابدة، وتخفي وراءها المشاق اللاحقة بها عياء، وعطشًا، وجوعًا.. هزالًا، وهلاكًا.. وحركة تقديم الرّحل للناقة، يسترفد معه داخليًا كل ذلك واحدة. ويجد له الشاعر في قرارة نفسه امتداده إلى الحيوان المنيخ أمامه. يسمع شكاته وتذمره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت