فهرس الكتاب

الصفحة 19345 من 23694

إننا إذا قلنا إن حديث الناقة وشكواها، إنما قام على سبيل استعارة صفة من الإنسان وإلحاقها بالحيوان، أبطلنا الجمال الكامن في التماهي العاطفي الناشئ من صلب المشهد، وحولنا العملية إلى مجرد"ترف"زخرفي يمكن الاستغناء عنه. بيد أننا لو فتّشنا دخيلة الشاعر، وسبرنا أغوارها العميقة التي يمتد فيها هاجس الرحلة بعيدًا في التاريخ، والأساطير العربية، لوجدنا أصوات الإنس تلتقي بأصوات الحيوان، وكأنها لغة واحدة ذات هم واحد. مادامت المكابدة واحدة. إن شكاة ناقة"المثقب العبدي"وفرس"عنترة"واحدة في أعماق الذات الشاعرة، لا تجد غضاضة في إخراجها على النحو الذي أخرجتها فيه. كما لا تجد الذات المتلقية نشازًا فيها تسمع. بل تعجب. وسبيل الاستعارة كامن في هذا العجب الذي يمكِّنها هي الأخرى، بل ويعلِّمها كيف ترهف السمع لامتداداتها الخاصة، وتماهيها الذاتي.

وإذا عدنا إلى الأصل والفرع، في شأن تقسيم أجزاء الاستعارة، فإننا أمام توحُّد الذاتين، لا نجد أين يبدأ الأصل وأين ينتهي، ولا أين يبدأ الفرع وأين ينتهي. فالحديث الذي سمعناه من الناقة والفرس، هو هو حديث الشاعر والفارس. وهو هو حديث الناقة والفرس. فليس أمامنا أصل وفرع، بل أمامنا هم واحد تجري مقاديره على ذات واحدة ممتدة بين الكائنات جميعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت