فهرس الكتاب

الصفحة 19346 من 23694

من ثم يكون لنا في الاستعارة ما يجده النقد الجمالي الحديث من كون الاستعارة ضربًا من الوعي الخاص بالذات، وإطلالة على حقيقتها. إذ ليس المعول فيها أن يسقط الشاعر:"مشاعره على ناقته، ويخلع عليها حزنه العميق من قدره فحسب، بل نحن أمام ذات تحاول أن تعي نفسها من خلال تأملها لموضوعها، وهو تأمل لا يحفظ للطرفين تمايزهما واستقلالهما، بل يداخل ويزاوج بينهما بطريقة تنتهي إلى تعديل كلا الطرفين على السواء." (12) بل يرتدّ الاستعمال الاستعاري:"على وجه العموم إلى الشعور الكامل بالحياة نفسها، وأول مظهر جمالي للاستعارة، استعادة الحياة توازنها، واستئناف الانسجام الداخلي بين المشاركين فيها." (13) وأغرب من ذلك أنها تعيدنا إلى الفهم الصحيح لعلاقات الوجود وكائناته. فما أصبحنا نعتقده من تمايز وتفرقة بين الموجودات، ليس مرده إلى ميْت وحي، وإنس وحيوان. بل إن طبيعة كل واحد منها لا تسلبها خاصية الإحساس والمشاعر. فقد ذكر الله -عز وجل -أن السماء والأرض تبكيان، وأن الجبال تخشى، وأن الكائنات جميعها تسبح، فالاستعارة، إذ تعيد استئناف الانسجام بين الكائنات تقدم وعيًا أصيلًا بالحياة وللحياة.

وليس في الاستعارة معنى"المبالغة"إذا نظرنا إليها من هذه الزاوية. لأن المبالغة لن تفيد الشاعر في شيء، ولن تسعفه في تقرير حقيقة المشاعر التي تعتمل في صدره. بل قد تسد عليه المبالغة طبيعتها، وصدقها، وتذهب بكثير من الحسن فيها، فتجعل المشهد الاستعاري قائمًا على التهويل المشين، والإدعاء الكاذب. إن الاستعارة وهي تسلك سبيل الانسجام تحقق للمشاعر صفاءها الفطري، وتفتح أمامها منافذ العطاء دون أن يعترضها منطق جاف، ولا حضور عقل شاخص. لأنها بمثل هذه المواصفات تمتلك عقلها ومنطقها الخاصين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت