إن الاستعارة في الشعر الحديث تتجه إلى المنحى، حين تتسع لتجاوز البيت والسطر الشعريين، لتجعل من القصيدة -كلها -استعارة كبرى، ينفتح خطابها على التأويل الذي تتجاوز محمولاته الدلالية المباشرة التي تؤديها الألفاظ أصالة. ومنه يغدو تحديد الاستعارة على النحو الذي سلف في التقعيد القديم، ضيقًا لا يمكن له أن يتسع لها، مادمنا نعتبر الرؤية التي تقبع في أعماق الشاعر، تستعير شكلًا يناسب توتراتها الخاصة. فلا يكون المظهر الكلي للنص إلا ضربًا من الاستعارة التي يتخيرها المشهد للتمظهر الخطي أمام عين التلقي.
فإذا قرأنا -على سبيل المثال -قصيدة"عبد المعطي حجازي"أنا والمدينة"في ديوانه"مدينة بلا قلب"أدركنا مقدار الانزياح الذي تتخذه الاستعارة في إنجازها الخطاب الشعري المتوخى من مقول النص وصمته. يقول الشاعر:"
هذا أنا،
وهذه مدينتي،
عند انتصاف الليلْ
رحابة الميدان، والجدران تل
تبين ثم تخفتي وراء تل
وريقة في الريح دارت، ثم حطت، ثم ضاعت في الدروبْ،
ظل يذوبْ
يمتد ظل
وعي مصباح فضولي مملْ
دست على شعاعه لما مررتْ
وجاش وجداني بمقطع حزين
بدأته، ثم سكتْ
-أنت يا.. من أنت؟
الحارس الغبي لا يعي حكايتي
لقد طردت اليوم
من غرفتي
وصرت ضائعًا بدون اسم
هذا أنا، وهذه مدينتي! (14)