فهرس الكتاب

الصفحة 19348 من 23694

لا يمكن للتحديد القديم للاستعارة أن يجد مبتدى الطرف الأول ولا منتهاه، ولا يعرف كيف يحاصر مسافة الطرف الثاني حين نعتبر النص في اتساعه استعارة واحدة. غير أننا قد نُقرِّب المسألة خطوة، حين نتمثل العملية على نحو يقوم فيه الدفق الشعري، وتوتراته بالبحث عن الشكل الأنسب لصبِّ التعبير فيه. من ثم يكون أمامنا اجتهاد الذات في تقصي أنواع التعبيرات التي تجسد خطابها الخاص. إذ ليس من المعقول أن يكون حديث الشعر في هذه القصيدة مجرد حديث عن الريفي الذي قصد المدينة، وذاق من غربتها وضياعها، حتى فقد الهوية والانتساب. وليس معقولًا أن يكون الوصف الذي أسراه لأزقتها ودروبها ليلًا، وصفًا واقعيًا يقف عند جدرانها وإضاءتها. وليس معقولًا -بعد هذا كله -أن يكون القصد إخبارًا بالطرد من الغرفة بعدما نفدت النقود ونفق الزاد.

إن النص ليقول هذا كله ويسكت عن بعض تفاصيله، ولكن حقيقة الشعر الحديث ليست في التقرير الاجتماعي لذات وسط المدينة. فإن كان هذا شأنها، فليست القصيدة الشعرية بأنسب قالب له. بل قد تضيق فسحتها عن تعداد همومه وأوجاعه. لذلك يشعر المتلقي حين يباشر النص أن وراء الأكمة ما وراءها. وأن هذا"الزي"المعروض، ليس إلا قناعًا مستعارًا، سريعًا ما تتبدد كثافته إن هو وجد من يزيل عنه الرّان السميك الذي يغلفه. هذا الفهم يدعونا إلى إعادة النظر في كون القصيدة الحديثة -مهما كان موضوعها، ومهما كانت غنائيتها -استعارة من نوع خاص. وسبيل الاستعارة أن تفتح الدلالة على مسارب متعددة فيها لغة الخطاب الشعري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت