إننا حين نعاين المشهد المعروض علينا، وندرك فيه ما أشرنا إليه سابقًا، يدعونا المشهد إلى إجراء سلسلة من التحويلات الرمزية فيه لقلب المرآة حتى ترتسم على صفحتها صورة أخرى، لا تجد عناصرها المعنوية من تجسيد سوى الأقنعة التي اختارها الشاعر لرؤيته. ولنا -بعد التحويل -أن نقول مثلًا، أننا إزاء الشاعر ونفسه."الأنا""وهي /المدينة"فالأنا تشهد بالواقع المعطى، و"هي"تشهد بالرغبة والأمل. وبين الشاعر ونفسه من الصراع المرير الذي يتجاوز المادي إلى المعنوي، يتجاوز الواقع العيني إلى الانتماء الموزع بين الماضي الحاض. بين الحاثة والتراث.
قد نجد فيما نسوق بعض الشطط والابتعاد عن قصد الشاعر.. ذلك حق! ولكننا حين نعاين الاستعارة الكبرى في تردداتها، ندرك يقينًا أن ما نذهب إليه أمر واقع يحتاج إلى قليل من التأويل ليستقر على الرؤية التي تتفصّد من مقاصد النص ذاته. إن مدينة الشاعر ذات الميدان الرحب، والجدران التي تتمدد ظلالها وتذوب، والتي يرقبها مصباح فضولي ممل، يدوس الشاعر شعاعه، ثم تجيش نفسه بمقطع حزين، ثم يقطعه ويلوذ بالصمت.. كلها عناصر تُقَنِّع حقيقة النفس التي تجد في سعتها ما يمكِّنها من استغراق الوجود واحتوائه، غير أنها لا تملك من ذلك شيئًا. إنها في هوانها وحالة ضياعها أشبه بالوريقة التي تطوِّحها الريح في كل اتجاه، قبل أن تضيع في دروب الحياة فاقدة للوجهة والمصير. لأن عقلها -ذلك المصباح الفضولي -لا يقدم لها يقينًا تتمسك به. إنه في فضوله أشبه بالحيوان الذي يقترب من الأشياء يتشمّمها، ثم ينفر منها. فالشاعر يدوسه احتقارًا له ولصنيعه. ساعتئذٍ تعتريه نوستالجيا للتغني بمقطع حزين رثاء للحال.