وحين يستوقفه الحارس الليلي الغبي."أنت.. من أنت؟"يتجاوز سؤاله الاسم العلم إلى الانتماء، إلى الماضي. لأنه لا يعي الحكاية كلها. فالغرفة، ذلك المجال الضيق من المكان الذي يحدد الهوية قد ضاعت، مثلما ضاعت الوريقة في الدروب من قبل. وربما يكون في إسقاط الدرب على المنهج، وإسقاط الواقع على الحارس الليلي الغبي، ما يعطي للمثقف العربي في صراعه مع الحداثة الممثلة في"المدينة"خارجيًا، والتراث"الغرفة"داخليًا ما يكسب النص بعدًا استعاريًا يُجلِّي طبيعة الخطاب المكنون في لغته ورموزه.
4-التخطي والكناية:
يشير"مجيد عبد الحميد ناجي" (15) إلى كون الكناية من أكثر الأساليب البلاغية اختلافًا في التحديد بين البلاغيين القدامى. ويقوم باستقصاء دلالاتها عندهم مسجلًا ما يلي:
-أن يريد المتكلم إثبات معنى من المعاني فلا يذكره باللفظ الموضوع له في اللغة، ولكن يجيء إلى معنى تاليه ورديفه في الوجود فيومئ به إليه، ويجعله دليلًا عليه. (عبد القاهر الجرجاني)
-أسلوب يحتمل معنيين، أحدهما قريب يدل عليه ظاهر اللفظ، وهو ما لا يقصد إليه المتكلم عادة، وآخر بعيد يؤدي إليه القريب، وهو مراد المتكلم في الغالب. ويوصل إلى هذا المعنى البعيد. (ابن الأثير)
-يصار إلى المعنى البعيد إما بالإرداف، وهو التعبير عن الملزم بلازمه. أو بالمجاورة، أو التعريض. (عبد القاهر)
-تشتمل على التعريض، والتلويح، والرمز، والإشارة، والإيماء. كما تشتمل على الإرداف، والتمثيل، وأن الجميع طرق لها. (السكاكي) .
إننا في الكناية نتحسس وجود طبقتين للتعبير: طبقة سطحية هي ظاهر القول، وطبقة عميقة هي المراد من القول.