وكأننا أمام ضرب من الصياغة لا ينفي أحدها الآخر ولا ينصرف عنه، بل يبقيه على الهيئة التي هي له، على الرغم من انصرافه إلى مراد يقع وراءه. وإذا كنا قد أفلحنا في فهم حقيقة الكناية، فإننا نجد أنفسنا أمام السؤال عن السر الذي برغم المتحدث على سلوك هذا المسلك في فن القول. ولا يأتينا تعليل ذلك من خارج القول ذاته، بل لا بد له أن يتفصّد عنه، حتى يكشف حقيقة الاستعمال الكنائي فيه. لقد وجد"مجيد عبد الحميد ناجي"أن المتكلم:"بالقدر الذي نريد فيه نقل المتلقي إلى المعنى القاني البعيد الذي من أجله صاغ الصورة الكنائية، يريد أن يبقي على احتمال إرادة المعنى الأول الذي يدل عليه ظاهر اللفظ، والنسق الطبيعي لعناصر الصورة حسب واقعها العياني المرصود. ومن أجل الإبقاء على هذا الاحتمال، ولكي يكون واردًا، فإنه يسقط من الأساس القرينة التي تمنع من إرادة المعنى الظاهري من الصورة، ليبقي على احتمال إرادة كل من المعنيين." (16) فالكناية نشاط مزدوج يوظف المعنيين معًا في سياق ونسق واحد. أما أمر السياق فيرفده الواقع المعطى من حيث عناصر الصورة والمشهد. وأما النسق فمن حيث عناصر التعبير والصياغة.
وإذا قرأنا كناية"امرئ القيس"عن الإبكار، ألفينا حقيقة الكناية في المزاوجة المعنوية بين المستويين:
السطحي والعميق. وكأن الشاعر يريد أن يقول القولين معًا، وإن كان قصده ينصرف إلى حقيقة تقع وراءهما معًا. إنه يقول:
وقد أغتدي والطير في وكناتها بمنجرد قيد الأوابد هيكل