إن السياق الخارجي يقدم لنا مشهد الطير التي لا تزال في أعشاشها، تنعم بالدفء والسكينة، يسترها الليل ويغطي إغفاءتها. والطير -بعد هذا -لا يدركها نور الصبح في أكنانها. إنها الصورة الفعلية التي لا يريد الشاعر أن تذهب من وعي المتلقي، فهي عماد مشهده في الخروج إلى الصيد والإبكار له. ولها بعد ذلك أن تنصرف إلى تحديد زمن الخروج فقط. لأن القصد الذي يرمي إليه المشهد يقع وراء هذا وذاك. فالكناية هنا ليست لتحديد الزمن -فقد أدى شطر منها هذا القصد -ولكن بناءها المشهدي ينصرف إلى التعريض بالآخر الذي يصبح في دثاره وقد خرج الشاعر طالبًا للأوابد. إنها تذم في الآخر تأخره، وتكاسله، وتقاعسه، عن الطراد. وترمز من طرف آخر إلى الاعتداد بنفسه والافتخار بها.
فإذا عدنا إلى مستويات الكناية في المشهد ألفينا في صنيعها عجبًا. فهي ذات أربعة مستويات:
-مستوى الصورة الواقعية: الطير في وكناتها.
-مستوى الدلالة الزمنية: الإبكار.
-مستوى الدلالة التعريضية: خمول الغير، وتكاسله.
-مستوى الدلالة الفخرية: الاعتداد بالنفس ونشاطها.
-فالكناية بهذا الشأن من أقدر الأساليب الشعرية على الاقتصاد اللغوي الشعري. واختلافها عن التشبيه والاستعارة في هذا الشأن، يكسبها طواعية أكثر في استغراق دلالات المشهد الشعري واستغراق خطاباته. و"السكاكي"حين عاين فيها التلويح، والرمز، والإشارة، والإيماء، والإرداف، والتمثيل، فقد وجد فيها كافة الطاقات التعبيرية التي في مقدورها أن تزاوج، وتثلث.. بين الطرق، أو أن تتخذها جميعًا لأداء الأغراض التي يقيمها القصد وراء المشهد الكنائي.
ومن ثم تغدو بلاغة الكتابة المشهدية -بين التشبيه، والاستعارة، والكناية -أطوع على استغراق المشاهد التي يمدها بها الدفق الحياتي، فتتسع لها الصياغة اللغوية، إما عن طريق تشجُّرات التشبيه، وإما عن طريق التوحد والتماهي الاستعاري، وإما عن طريق تراتب المستويات في التعبير الكنائي.