فالعمل عند سيبويه للأقرب، وهذا ما صرح به المبرد في المقتضب إذ قال:"هذا باب من إعمال الأول.."إلى أن يقول:"فهذا اللفظ هو الذي اختاره البصريون، وهو إعمال الآخر في اللفظ، وأما في المعنى فقد يعلم السامع أن الأول قد عمل كما عمل الثاني فحُذف لعلم المخاطب.." ( [12] ) ويستشهد بما استشهد به سيبويه، ويعلل سبب اختيار البصريين فيقول: وإنما اختاروا إعمال الآخر لأنه أقرب من الأول ( [13] ) ويضيف: وقد حملهم قرب العامل على أن قال بعضهم:"هذا جُحْرُ ضَبِّ خَرِبٍ"وإنما الصفة للجُحر، فكيف بما يصحّ معناه؟ ( [14] ) أي أن العمل كان سببه الجوار لكن هذا كله لم يمنع المبردَ من تجويز إعمال الأول، يقول: ولو أعملت الأول كان جائزًا أحسن ( [15] ) . وذكر ابن مالك في شرح الكافية الشافية أنّ العمل للثاني عند البصريين والأول عند الكوفيين ( [16] ) ولا يمنع العكس، وكذا ما ذكر السيوطي أنَّ العمل لأحدهما باتفاق الطرفين ( [17] ) ونقل أنّ الفراء قال: كلاهما يعملان فيه ( [18] ) . ويستدل من كلام ابن هشام أنّ عمل العامل يكون للمعنى، قال في خلال حديثه عن الشاهد:"ألم يأتيك.."يحتمل أنّ (يأتي) و (تنمي) تنازعا (ما) فأعمل الثاني وأضمر الفاعل في الأول فلا اعتراض، ولا زيادة، ولكن الغنى عن الأول أوجهُ إذ الأنباء من شأنها أن تنمي بها ويغيرها ( [19] ) وأشار ابن هشام ( [20] ) إلى أن بعضهم يجيز حذف غير المرفوع لأنه فضلة كقول الشاعر: ... بِعُكَاظَ يُعشِي النَّاظريـ
ـنَ إذا همُ لَمحوا شُعَاعه ( [21] )
فقد تنازع الفعلان (يعشي) و (لمحوا) على المعمول (شعاعه) فهل هو فاعل (يعشي) أم مفعول (لمحوا) فإن البصريين يضمرون فاعل (يعشي) لامتناع حذف العمدة، ولأنّ الإضمار قبل الذكر قد جاء في غير هذا الباب نحو"ربه رجلًا" ( [22] ) أما الكسائي وهشام والسهيلي فيوجبون الحذف تمسكًا بظاهر قول الشاعر: ... تَعَفَّقَ بالأَرْطَى لها وَأَرادَها
رِجَالٌ فبذَّت نَبْلَهُمْ وَكلِيبُ ( [23] )