فهرس الكتاب
تقدم قبل قليل أن النحاة أجازوا أن يقع التنازع من عاملين فأكثر ولم أجد أحدًا وقف عند هذا الباب حتى ابن مالك في شرح التسهيل، على جواز إعمال الآخر وإلغاء ما قبله، واستشهد ابن مالك بثلاثة من الشواهد الشعرية هي قول الحطيئة:
فسِيَّان لا ذَمٌّ عليك ولا حَمْدُ
وقول الآخر: ... جِئْ ثم حَالِفْ وثِقْ بالقَومِ إنهمُ
لمن أَجَاروا ذَوُو عِزٍّ بلا هُونِ
وقول الآخر: ... أرجُو وَأَخْشَى وَأَدْعُو الله مبتغيًا
عفوًا وعافية في الرُّوحِ والجَسَدِ ( [26] )
تنازع في البيت الأول الأفعال الثلاثة (سئل) و (تبخل) و (تعط) على المعمول (نائلًا) وفي البيت الثاني (جئ) و (حالف) و (ثق) مع المعمول (بالقوم) . ... إذا هي لم تَستَكْ بعودِ أراكةٍ
وفي البيت الثالث (أرجو) و (أخشى) و (أدعو) مع المعمول (الله) .
الضمير في بحث التنازع:
تقدم أن العاملَ إذا كان اسمًا ظاهرًا هُو للأقرب عند البصريين، وللأسبق عند الكوفيين مع ترجيح الوجه الآخر عندهما معًا باتفاق.. ولكن مَنْ يعمل إذا كان في الفعل ضمير؟ يقول سيبويه: فإن قلت:"ضربت وضربوني قومك"نصبت"قومك"إلا في قول من قال"أكلوني البراغيث"أو تحمله على البدل فتجعله بدلًا من المضمر كأنك قلت: ضربت وضربوني ناس بنو فلان" ( [27] ) وعلى هذا الحد تقول: ضربت وضربني عبد الله وتضمر في"ضربني"كما أضمرت في"ضربوني"فإن قلت"ضربني وضربتهم قومك"رفعْتَ لأنك شغلت الآخر فأضمرت فيه، فكأنك قلت: ضربني قومك وضربتهم، على التقديم والتأخير، إلا أن تجعل ههنا البدل كما جعلته في الرفع، فإن فعلت ذلك لم يكن بدّ من"ضربوني.."لأنك تضمر فيه الجمع، قال عمر:"
تُنخِّل فاستَاكَتْ به عُودَ إِسحلِ ( [28] )
لأنه أضمر في آخر الكلام، وقال المرار الأسدي: ... فردّ على الفؤاد هوىً عميدًا
وسُوئِلَ لو يُبين لنا السُّؤَالا
بها يقتدْننا الخُرُدَ الخِدالا ( [29] ) ... وقد نَغْنَى بها ونَرى عُصُورًا