وليس هذا من قبيل التكلف فالشواهد سواء أكانت من القرآن الكريم أم الشعر كثيرة كثيرَة، قال النابغة الجعدي:
لسيرٍ أحقُّ اليومَ من أن تقصرا ( [13] )
وقال النابغة الذبياني: ... أُنبِئْتُ أن أبا قابوس أَوعَدَني
ولا قرار على زأرٍ من الأَسدِ ( [14] )
فماذا لو حذفنا (أنّ) ؟ أليس (أبا) مفعولًا ثانيًا، وجملة (أوعدني) ثالثًا، أما في رواية البيت كما هي فيكون (أبا) اسم أن.. ... ألا ليتَ أنّ الظاعنين بذي الغضا
ج-تقول: المطر يَهْطلُ
وتقول: ليت أو لعل المطر يهطل
أليس (ليت) و (لعل) حرفين مشبهين بالفعل (أي عاملين) يحتاج كل منهما إلى اسم وخبر، وهما مبتدأ وخبر. أوليس الاسم والخبر معمولين لكل منهما، فلماذا لا يعد هذا من التنازع؟
قال جرير:
أقاموا وأن الآخرين تحملوا ( [15] )
ففي البيت حرفان مشبهان بالفعل (ليت) و (أنّ) وكلاهما يحتاج إلى اسم وخبر، فلو حذفنا (أنّ) لتمّ المعنى لكن (أن) لا تزاد لتعتبر زائدة، فلا تنازع عندئذٍ، لكن كأنها تنازعت مع (ليت) على الاسم والخبر، وفي مثل هذه الحال لنا وجهان: ... فسايرتُه ميلَيْن يا ليت أنني
الأول: تقدير اسم ليت ضمير الشأن المحذوف وخبرها المصدر المؤول من أن واسمها وخبرها.
والثاني: اعتبار أن واسمها وخبرها سدت مسد اسم ليت وخبرها كما تسد مسد المفعولين، والاسم والخبر والمفعولان أصلهما مبتدأ وخبر، ويكون هذا من باب التنازع، ويكون العمل -كما يظهر- للأقرب، وقال ابن الدمينة:
على سُخْطِه حتَّى المماتِ أرافِقُه ( [16] )