قد تنطبق هذه الدّعوى وغيرها على الدّيانة الغربية والتي لا تحتوي نصوصها على قوانين الاشتغال العقلي، الأمر الذي وسم الخطابات الدينية الغربية بقاعدة"آمن كي تعقل"أمّا الأمر مع الخطاب القرآني فمختلف، لأنّه اعتمد على الحجة العقلية ووُجّه للقوم الذين يعقلون ويمارسون قاعدة"اعقل لكي تؤمن"مقابل"آمن لكي تعقل"فإذا ما تجسّد اشتغال العقل في الخطاب نكون أمام فعالية خطابية تتوفّر بالفعل وبالضرورة على أُسس التحاور الاستدلالية بمختلفة صورها التي ورد بها النص القرآني، والتي لا نستطيع أن نحصيها في أشكال وصور معيّنة لعلّ أهمها الصّور الحجاجية باعتبارها الصنف الأكثر قابلية للإمساك به، ويمكن التعامل به في مختلف مجالات التّثاقف العامة التي تيسّر التواصل الإنساني، كما يؤدي إلى الإقناع الذي يفرض المشاركة بين الطرفين المتحاورين دون إكراه، وقد تطال اعتقاد المقتنع فيلتزم بما يعتقد به مُحاوره إذا اقتنع برأيه واعتقد بصحة الدليل القائم عليه هذا الرأي.
غير أنّ موضوع الإقناع وإن كان هو فعل الصّورة الحجاجية، فإن الخطاب القرآني حقّق هذا الفعل بواسطة قوى أفعال الكلام المنجزة من خلال العبارات وما تحقّقه بدورها من آثار ونتائج مهما كانت صفتها، فإن إيقاعها يبقى إقناع الآخر، ليس من باب إحداث الغلبة لطرف على حساب الآخر ولكن من أجل الحوار والتواصل.