فهرس الكتاب

الصفحة 19424 من 23694

وسوف يمكّننا هذا من ردّ الدعوى القائلة: إن الخطاب القرآني يصف حالة شيء ما أو يثبّت واقعة، وفي الحالتين فهو كلّه يفيد فائدة خبرية أو ينتج أحكامًا ممّا يفترض فرضها على العقول ونفي التعارض، ولقد اتّضح الآن وفي ضوء المناهج المعاصرة أنّ ما كان يعتقد من العبارات بأنّها أحكام مثبتة إنما يثير إمكانية التفكير فيها بإعطاء النقيض الذي يحمل العقل على المقارنة، وإنّ ما بدا بأنه أحكام قيمة أخلاقية يقصد بها إظهار الشعور العاطفي أو إلزام نوع من السّلوك إنّما يحمل في طيّاته ملابسات الحكم الأخلاقي الذي تنطوي عليه، ومراعاة مقامات المخاطبين بحسب فُهومِهم وعقولهم من أجل إقناعهم، فكثير من العبارات تتوسّل الإقناع في صيغ مقنّعة لا تسفر عن حقائقها إلاَّ بإدراك العلاقات فيما بينها، أو ممارسة آليات في الفهم والتلقي، وبما أنّنا لا نستطيع أن نحصر أنماط هذه العبارات، فسنكتفي فقط ببعض الصور المنطقية لأنواع الأدلّة والحجج التي استعملها القرآن دون أن نتوهّم القدرة على حصر كل هذه الحجج بالعدد، لأنها كثيرة بل بالصوّر الممثّلة فقط، وذلك من أجل إثبات أنّ هناك منطقًا فطريًا لدى جميع الناس صيغت به العبارات القرآنية والحجج التي تحملها، وذلك لدى سليمي الفطرة في جميع الأزمنة والأمكنة ما عدا أصحاب العقول الفاسدة. ولا عجب في ذلك ما دام القرآن اعتبر العقل القوة القادرة والصالحة للحكم على الأشياء والميزان الذي توزن به القضايا وفسادها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت