فهرس الكتاب

الصفحة 19425 من 23694

وكان لا بدّ لهذا الخطاب الذي يحترم العقل أن يصاغ صياغة يقتضيها العقل حتّى ليصحّ لنا أن نقول: إنّ الخطاب القرآني هو عقل من خارج، لذلك أكد الله في أكثر من موضع دور الحجة في الإقناع وبطرق مختلفة، أي بحسب قدرات الناس العقلية والعاطفية، فمنهم من يقنع بالفكرة عن طريق استهواء العاطفة وإيقاظ الشعور فيهتدي إلى المعرفة وإلى الحكم عن طريق تأمّل باطني في الحجج، ومنهم من لا يذعن لغير البرهان المباشر ويستخدم الاستدلال المنطقي كالقياس والتّمثيل والاستقراء، ومنهم من يقنع كما يقول سيد قطب"بعالم حيّ منتزع من عالم الأحياء لا ألوان مجرّدة وخطوط تصوير تقاس الأبعاد فيه والمسافات بالمشاعر والوجدانيات، فالمعاني ترتسم وهي تتفاعل في نفوس آدمية حيّة، أو في مشاهد من الطبيعة تخلع على الحياة (7) ."

ولا يعني هذا خُلوَّها من قوة الإقناع، بل هي طريقة أخرى في الاستدلال تدعو إلى النظر وإعمال العقل، لأنّ القرآن كلام موجّه للجميع تفهمه العامة بما هو عليه كما تفهمه الخاصة بما تتوصّل إليه من العمق في الفهم لأنّ"طباع الناس متفاضلة في التصديق، فمنهم من يصدّق بالبرهان ومنهم من يصدّق بالأقاويل الخطابية كتصديق صاحب البرهان بالأقاويل البرهانية" (8) . كما يذهب الزّركشي الذي اصطنع البرهان للتعريف بعلوم القرآن إلى أنّ القرآن قد اشتمل على جميع أنواع البراهين والأدلة والحجج وما من برهان ودلالة وتقسيم وتحديد شيء من كليات المعلومات العقلية والسّمعية إلاَّ وكتاب الله قد نطق به (9) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت