فهرس الكتاب
ليست مهمّتنا هنا رصد مختلف أفعال الكلام actes de paroles من خبر وإنشاء، لأنّ كل كلام قائم على هذا الأمر وخاصّة ذلك المتعلّق بالرسالة الموجّهة إلى مخاطبين معيّنين من أجل بلاغ معتقد أو إبلاغ معرفة أو تبليغ وجهات نظر. ولكنّنا نركز على قوى أفعال الكلام actes illocutoires أي ضروب العبارات التي لها صفة المواضعة وقوتها وقيمتها، كما نتطرّق إلى لوازم أفعال الكلام هذه actes perlocutoires التي تدل على أن ما يحدثه الفاعل طبقًا لقول ما يكون إنفاذه تامًا ووقع الفراغ منه كالحمل على الاعتقاد والوصول إلى الإقناع أو الترك (16) .
يتعيّن علينا إذن أن ندرك العلاقة بين القائم بفعل القول وتحقيقه وبين آثاره ونتائجه، ويتجلى هذا خاصة في تلك الحوارات الموجودة في القرآن. وبما أنّ الخطاب القرآني كله يمكن اعتباره حوارًا مع مختلف أصناف المخاطبين، فإنّ النتائج والآثار تتجلّى من خلال ردودهم الواقعة أو المفترضة أو من خلال ما ينتج عن أفعال الكلام ذاتها على الرغم من أن أوستين Austin يرى أنّ"نتائج حدوث الفعل ليست من صنف القول ولا من صنف وقوعه على وجه من الوجوه" (17) لأنَّ لازم فعل الكلام يكون مفهومًا من الخارج ومن قرائن الأحوال، ونتيجة لآثارها، فهو إذن بمثابة النتائج المحصّل عليها من متضمّنات القول التي هي في الأصل مترتبة عن تلقي فعل الكلام وليس عن فعل الكلام ذاته بدليل أن ما يفهمه ويتأثر به متلقٍ في سياق قد لا يحدث عند متلق آخر.