فهرس الكتاب
فعندما نتأمل آيات القسم الأول نلاحظ أنّ الجمل الإخبارية كلها وردت خالية من أدوات التوكيد فالله يخبر عباده بالنعَم التي منحهم إياها على سبيل التعديد والتقرير، فجاء الخطاب على أساس أنّ المتلقي خالي الذهن من الحكم، وبعد ذكره هذه النعَم لا ينبغي الإنكار ويسمى هذا الضرب من الخبر ابتدائيًا، وهو ينسجم مع منطق التلقي حيث تقتضي إقامة الحجة على المنكر أن يعرف أولًا وهنا يتحقّق قانون الإفادة، الوسيلة المنطقية التي تسبق الأوامر والنواهي أو التوبيخ والتقريع. ومن ثمّ فتعديد النعَم يدخل ضمن الاستدلال بالتعريف، وهو أن يؤخذ من ماهية موضوع القول دليلًا للإقناع. فذكر صفة الرحمانية (الرحمان) ثمّ إحصاء القدرة على خلق الكون بما في ذلك الإنسان؛ لأنّ أصل النعَم يعود إليه. أما قوله (خلق الإنسان من صلصال كالفخار( الآية 14، فيندرج ضمن الاستدلال بالتخصيص بعد التعميم، فكأنّ الله يقول للإنسان: إنّ لم تكن تدري حتى مِمّ خلقت، وقد خلقتك من صلصال كالفخار، ففي العبارة إخبار وإفادة وشمول؛ فإلى جانب إخباره بجهله حقيقة خلقه، زوّده بأكبر قدر ممكن من المعلومات في حدود الإفادة التي تتجلّى في وصف خلق الله تعالى للإنسان.