فهرس الكتاب
ولا جان ( الرحمن 39 أي بعد التكذيب والإنكار لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، وكأنّ نفي السؤال هو"استخبار محض عن الذنب"(20) ثمّ بعد الزجر جاء الترغيب في الجزاء نحو قوله تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان( الرحمن 46.
إنّ التدرّج في الأغراض يوحي بالمنطقية في التعامل مع النفس البشرية من أجل إقناعها؛ حيث إنّه لا يجب إعطاء معلومات دفعة واحدة؛ إذا كان المخاطب خالي الذهن، فما بالنا إذا كان الأمر مرتبطًا بهدف تغيير اعتقاد وإزالة الجحود والإنكار، الأمر الذي اقتضى امتزاج الخبر بالإنشاء وخاصة في الآية الاستفهامية المتكررة (فبأي آلاء ربّكما تكذبان( فكانت اللازمة التي تفصل الأغراض الخبرية المذكورة سلفًا، وهي وإن تكررت إحدى وثلاثين مرة فإنّها لم ترتبط بأصل الاستفهام الذي هو"طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأداة خاصة"(21) بل إنّ كل واحدة تتعلّق بما قبلها، ولذلك زادت على ثلاثة، ولو كان الجميع عائدًا على شيء واحد لما زاد على ثلاثة لأنّ التأكيد لا يزيد عليهما لذا تعدّدت مستلزمات الاستفهام في هذه الآية وذلك لتعدّد مقاماتها وسياقاتها المرتبطة بموضوع الخطاب وطبيعة المخاطبين من منكرين ومؤمنين، بل إنّ المنكرين لم يكونوا على درجة واحدة، فهناك من يؤمن بعد التوبيخ، وهناك من يلزمه بالإضافة إلى ذلك التوبيخ التخويف والتهديد وهكذا. ولذلك ارتبطت آية الاستفهام هذه في القسم الأول بتجديد التوبيخ ثمّ خرجت إلى معنى التخويف والتحذير ممّا سيلقونه يوم القيامة وتأكيد عجزهم من جديد عن عدم قدرتهم على الفرار من عذاب الله، ويظهر ذلك في قوله (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران( الرحمن 35، لكن على الرغم من هذا الضعف والعجز، فما يزال هناك من يكذب بالله، لذلك خرج الاستفهام بعد ذلك إلى التهديد؛ والتهديد كما يقول الألوسي:"اللطف والتمييز بين المطيع والعاصي بالجزاء والانتقام من الكفار من عداد الآلاء"(22) .