فهرس الكتاب
وسنقف على شكلين أقرّتهما التداولية الحديثة هما: الافتراض المسبق والقول المضمر، باعتبارهما يجسّدان البعد التلميحي للخطاب، وما لهذا البعد من أثر في العملية الحوارية وفي تغيير المعتقدات، وممارسة فعل الاقتناع من دون سلطة ظاهرة. فالافتراض المسبق يتعلّق بالبنى التركيبية؛ أي أنّه يدرك عن طريق فكّ الرموز اللغوية المكوّنة للقول، ويعرفه Ducrot بأنّه العنصر الدلالي الخاص بالقول" (28) وهو يشكّل فعلًا كلاميًا خاصًا لأنّه يعتبر شرطًا أساسيًا لقيام حوار لاحق في أي زمان أو مكان، وبحسب طبيعة القارئين للخطاب كما هو الشأن مثلًا بالنسبة إلى قرّاء الخطاب القرآني في العصر الحديث، وبهذا يمكن له أن يسهم في تغيير إمكانية الكلام عند المتخاطبين. فالافتراض هو جزء من مرجعية الحوار المرتبطة بمنطقية البناء اللغوي، فإذا أسفر الخطاب عن افتراضات مرفوضة فإنّه سيفقد دوره التأثيري، أمّا إذا استندت إلى نسق من الاستنتاج المنطقي الذي تفرضه التراكيب اللغوية للخطاب، فإنّه يؤدي إلى التواصل والحوار. ومن ذلك في القرآن خطاب موسى عليها السلام في قوله (وأخي هارون هو أفصح مني لسانًا فأرسله معيَ ردءًا يصدقني إني أخاف أن يكذبون( القصص 34. فيفترض في هذه الآية أنّ موسى قد طلب الفصاحة والبيان من أجل الإقناع، لأنّ القوة المادية لا تصمد أمام جبروت فرعون الذي قال عنه تعالى: (إنّ فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبّح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنّه كان من المفسدين( القصص4."