فهرس الكتاب

الصفحة 19443 من 23694

إنّ طلب الفصاحة يدلّ على قيمة الخطاب في الإقناع؛ لذلك نجد موسى في موضع آخر يقول (واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي( طه 27-28، ففي تنكير العقدة يُفترض أنّ طلب حلّ بعضها بقدر ما يستطيع أن يفهم عنه فهمًا جيّدًا ولم يطلب بذلك الفصاحة الكاملة(المعجزة) أما الافتراض الثاني فالعقدة مثلما يذهب إليه الزّمخشري جاءت نكرة كصفة، وكأنّه قال عقدة من عقد لساني (29) .

وفي قوله تعالى عن فرعون (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى( طه 57 فإنّه يُفترض في هذا القول أنّ فرعون كان يرتعد خوفًا ممّا جاء به موسى عليه السلام لعلمه وإيقانه بأنّه على حقّ، وقوله(بسحرك) تعليل وتحيّر وإلا فكيف أنّ ساحرًا يقدر أن يخرج ملكًا مثله ويغلبه على ملكه، وهو الذي يملك الأرض والعباد وكل السّحرة (30) .

أما قوله تعالى: (وقال فرعون يا أيّها الملأ ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحًا لعلي اطّلع إلى إله موسى ولأني لأظنّه من الكاذبين( القصص 38 فتُسفر عن عدّة افتراضات مسبقة: الأوّل جهل فرعون بوجود إله غيره لقوله: ما علمت، والثاني أنّ إلهًا غيره معلوم عنده ولكنّه مشكوك فيه لقوله: أظنّه من الكاذبين، والثالث لو لم يكن فرعون المخذول ظانًا ظنّ اليقين، بل عالمًا بصحة قول موسى لما تكلّف ذلك البنيان العظيم(31) .

هذه أمثلة من الافتراضات المسبقة التي تفرزها البنية اللغوية للخطاب، فتجعل الحوار مؤسسًا على ما يقتضيه سياق التراكيب، ومن ثمّ تفهّم مقاصد المخاطب حتى يتمكّن من محاورته بالطريقة التي تفرض التواصل وتأثير صاحب الحجة الأقوى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت