فهرس الكتاب
أما بالنسبة للقول المضمر الذي يتعلّق بقانوني الشمول والإخبارية فنُمثل له بحوار فرعون مع موسى في قوله (قال من ربكما يا موسى( حيث نلاحظ أنّ فرعون خاطب موسى وهارون في سؤاله: من ربكما؟ ثمّ خصّص موسى بالسؤال، لذلك ترد احتمالات خفيّة لا يفهم قصدها إلا من خلال الإحاطة بسياق القصة. فالاحتمال الأول يدلّ على خبث فرعون في تخصيص موسى بالإجابة دون أخيه لما عرف من فصاحة هارون. أما الاحتمال الثاني فقد ذكره الزّركشي في قوله"إنّه أفرد موسى عليه السلام بالنداء بمعنى التخصيص والتوقّف لأنه هو كان صاحب عظيم الرسالة وكريم الآيات"(32) .
أما قوله تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنّه طغى( طه 43 ففيها حثّ لموسى وهارون بأن يذهبا إلى فرعون ويعرضا الرسالة عليه بلين وهدوء لعلّه يستجيب لدعوتهما، مع أنّ الله يعلم بأنّه لن يستجيب، فهناك إضمار بجحود فرعوه في قوله: (لعلّه يتذكّر أو يخشى( لكي يحرص موسى وهارون على دعوة فرعون إلى الإسلام، وتلك من أساليب الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن.
إنّ هذه الأمثلة تدلّ على أنّ الخطاب القرآني فيه من أساليب الحوار ومظاهر التواصل ما يعجز الدرس الحديث عن الإلمام بها، وكلها تجسّد الاستراتيجية الإقناعية والمنهجية المثلى في التحاور بصياغة خطاب لا إكراه فيه ولا انغلاق حتى يتسنّى للطرف الآخر استيعاب الآليات وتفهّم الخطاب، ومن ثمّ تبني الاعتقاد، وهي أساليب كما لاحظنا متّصلة بمعاني أفعال الكلام المباشرة وغير المباشرة لكي يتعلّم المسلمون صياغة خطابات التحاور، وذلك هو الجدال بالتي هي أحسن، فهل هناك أحسن من الكلام يجعل الإنسان يستسيغه ويتقبّله قبل أن يتأثّر بمقاصده؟