فهرس الكتاب
2-الإقناع بالحجة: لقد أثار الخطاب القرآني في أساليبه الرسالية أكثر من طريقة من أجل الإقناع والوصول إلى عقل الإنسان وشعوره فيما يفكر في قضايا العقيدة والحياة ليصنع بالفكرة الحق والطريق المستقيم الذي يوصل الإنسان إلى الله دونما إرباك لعقله أو وجدانه. ولقد اعتبر الجدل بالحجة وجهًا من وجوه إعجاز القرآن الكريم باعتباره من بين الأساليب المنطقية الدقيقة في تقرير الحقائق وإيصال الأفكار وتوضيح المسائل العقائدية حيث"اتفق فيه أيضًا استنباط الأدلة التي توافق العقول، وموافقته ما تضمّنه لأحكام العقل على وجه يبهر ذوي العقول" (33) ، كما يقول القاضي عبد الجبار المعتزلي. غير أنّ الأسلوب المنطقي يمتزج في القرآن بالأسلوب العاطفي المثير دون أن يكون ذلك على حساب أدلته وبراهينه، وأما ما جاء فيه موافقًا لبعض الأقيسة المنطقية في المحاجّة فلا يعني أن القرآن يُخضع حججه للقواعد التي اصطلح عليها علماء المنطق لأنّ للقرآن منطقه الخاص، ولا أدلّ على ذلك سوى افتتاح ابن حزم خطابه في كتابه (التقريب لحدّ المنطق) بالصيغة"قال تعالى"وهو في ذلك يخالف المعهود عند نقلة المنطق وشرّاحه الذين يمهدون لكلامهم بالاستشهاد بقول أرسطو عن طريق الصفة"قال أرسطو"وكان غرض ابن حزم هو استخراج تعريف للمنطق من النصّ القرآني ومن الآيات التي أوردها الآيات الأربع الأولى من سورة الرحمن، وجاء بعده الغزالي لينطلق من الآيات التي ستتلوها في نفس السورة (34) .