فهرس الكتاب
وإذا كانت الغاية من هذا الحديث هي حمل هذه الفئة على الاعتراف بمسؤولية الكفر وعدم الاهتداء، فهذا يعني أنّ التلفظ بهذا الحديث القائم على التمثيل ليس هو الذي سيحمل هذه الفئة على الاعتراف، وإنّما الدلالة المنطوية وراء هذا التلفظ وهو المسكوت عنه المترابط باستنتاج المخاطبين، الذي تشير إليه آية (إنّ الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم( وهذا ما يسمّى بفعل الاستنتاج وهو هنا مرتبط بقانون الإفادة بحيث إنّنا لا نتصوّر أنّ الرسول يريد أن يخبر هذه الفئة بأنّ الجنادب والفراش تنجذب غريزيًا إلى النار، ذلك أنّ الوضعية التبليغية تقتضي التلميح دون التصريح، وهو الدعوة إلى الهداية، ومن الناحية التبليغية هي الأسبق إلى الذهن من الخبر القائم على التمثيل، لأنّ الإخبارية هي ثانوية من حيث الوظيفة بالنسبة للعملية الحجاجية.
وفي سياق التوبة التي قال فيها الله تعالى (أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم( المائدة 74 يقول الرسول(: [لله أشدّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثمّ قال من شدة الفرح: اللهمّ أنت عبدي وأنا ربّك، أخطأ من شدة الفرح] (47) .
يشبه الرسول هنا فرحة من أضاع الحياة في الصحراء المتمثّلة في الراحلة عليها الطعام والشراب، بفرحة الله بتوبة العبد حين يعود إليه، ويكون التأويل الحجاجي:
العبد الموجود في الصحراء + الراحلة الضائعة = معطاة 1
عودة الراحلة =حجة 1
فرحة العبد الكبيرة = نتيجة 1
الله + العبد الضال = معطاة 2
توبة العبد = حجة 2
فرحة الله الكبرى = نتيجة 2