فهرس الكتاب
وكانت تخرج من خلف الخندق كتيبة للفرس لقتال المسلمين، وتدخل لتخرج واحدة غيرها لمتابعة القتال، فهال ذلك المسلمون، ولمح القعقاع على وجوه أصحابه الضيق والانزعاج فقال لهم: أهالتكم هذه؟ فردوا عليه: نعم، نحن مُكلون وهم مريحون، والكال يخاف العجز إلا أن يعقب، فقال لهم القعقاع باثًا فيهم الشجاعة والهمة: إنا حاملون عليهم ومجاهدوهم وغير كافين ولا مقلعين حتى يحكم الله بيننا وبينهم، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى تخالطوهم، ولا يكذبن أحد منكم (19) .
ونجح القعقاع في أن يجد له منفذًا نحو الطريق الذي أقامه الفرس على الخندق، وطلب من أحد أصحابه أن ينادي: يا معشر المسلمين، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فأقبلوا إليه ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله.
وشد ذلك النداء من عزم المسلمين وهم يحسبون أن أميرهم"هاشم بن عتبة"قد نجح في اجتياز الخندق -وكان الذي نجح في ذلك فعلًا هو القعقاع وليس هاشم- وعليهم أن يهبوا لنجدته ومساندته، وأفلح القعقاع في بث النشاط والهمة في جند المسلمين بندائه ذاك، وهو يعرف بأن جند هاشم لن يتركوه وقد عرفوا بأنه قد اجتاز الخندق ولابد أنهم سيسرعون لنجدته ومعونته، وكان ذلك فعلًا، فحمل المسلمون حملاتهم الأخيرة على جند الفرس الذي بدأوا يتراجعوا من شدة ضغط المسلمين عليهم، ووصلوا أخيرًا ليجدوا القعقاع وأصحابه قد نجحوا في السيطرة على الطريق الذي أعده الفرس لاجتياز الخندق، فتعاونوا سوية ودفعوا الفرس للمزيد من التراجع. وانتهت المعركة بانتصار المسلمين وتفرق شمل الفرس.
وأنشد القعقاع بعد انتصار المسلمين على الفرس في جلولاء:
ونحن قتلنا في جلولاء أثابرا
ويوم جلولاء الوقيعة أفنت ... بنو فارس، لما حوتها الكتائب (20)