فهرس الكتاب
فإذا وصلنا إلى حازم القرطاجني (ت 684هـ) رأيناه يطابق بين مفهوم التخيُّل والتخييل متأثرًا بأرسطو والفارابي وابن سينا (370-428هـ) ؛ وإن كان لا يجاريهم في المحاكاة الكاملة؛ لأن التعجيب قد يدخل في التخييل؛ فيقول:"ويحسن موقع التخييل من النفس أن يترامى بالكلام إلى أنحاء من التعجيب" ( [24] ) ... وعلى الرغم من هذا فطُرق التخييل لديه تماثل طرق التخيُّل:"إما أن تكون بأن يتصور في الذهن شيء من طريق الفكر وخطرات البال، أو بأن تشاهد شيئًا فتذكر به شيئًا، أو بأن يحاكي لها الشّيء بتصوير نَحْتي، أو خطّي، أو ما يجري مجرى ذلك..." ( [25] ) .
فحازم القرطاجني أقام تناسبًا دقيقًا بين عناصر التخييل أو التخيل الممثلة بالعالم الخارجي والمبدع والنص والمتلقي؛ وربط فاعلية التخييل بقدرة المتلقي على إدراك فكرة التناسب... ولهذا جعل التخييل والتخيّل متماثلين بينما هما متفاوتان؛ فالتخيل لا يقع إلا في الممكنات على التشابه، على حين يقع التخييل في المستحيلات غالبًا...
وهذا كله يحققه لنا المعري في (رسالة الغفران) ؛ فهو لا يعرض مشهد التخيل في مقام مشهد التخييل؛ وإن انتقل من الأول إلى الثاني أحيانًا في المشهد الواحد أو العكس...
ولهذا نقول: إن رحلة الخيال في (رسالة الغفران) ذات إيحاءات عظيمة تشي لكل متأمل فيها بأفكار جديدة شكلًا ومضمُونًا... ولا يمكن لأحد أن يزعم بأنه قد وصل فيها إلى الكلمة الأخيرة؛ بل هي كلمة سيتبعها كلمات؛ وخطرة سيتلوها خطرات على طريق المعرفة؛ فلسفة ونقدًا ولغة...